مخيمات النزوح الحدودية مع الأردن وصراع تقاسم النفوذ

انقطعت المساعدات الأممية عن مخيمي "الركبان" و"حدلات" (الرويشد) الواقعان عند الحدود السورية الأردنية منذ نحو شهرين، وسط تردي الأوضاع الإنسانيةلساكنيهما، إلا أن الفصائل العسكرية المتواجدة في المنطقة تعمل جاهدة على تخديم المخيمين في محاولة كل منها فرض سيطرة ومنطقة نفوذ داخلهما، ويأتي "صراع تقاسم النفوذ" وسط اعترافات ضمنية للأردن بجهات وإغفالها ورفضها التعامل مع جهات أخرى، ما دفع ساكني المخيم لتشكيل مجلسين و"إدارة مدنية" لتسير أمور المخيمين برعاية الفصائل.

الموقع والإحصائيات

يقع مخيم "الركبان" عند الحدود السورية الأردنية، وهو مخيم عشوائي يمتد على طول 5كم الشريط الحدودي مع المملكة الأردنية الهاشمية داخل الحد السوري وكذلك بطول 7كم وعمق 3كم ضمن المنطقة المنزوعة السلاح بين الأردن وسوريا، وهو مخيم عشوائي لا يوجد له شكل هندسي واضح، كونه قام بمبادرات النازحين دون رعاية هيئات مدنية.

ويقطن في المخيم نحو 60  ألف نسمة، يزيد عددهم وينقص تبعاً للظروف الأمنية والمعارك الدائرة وسط وشرقي البلاد، وسط حركة نزوح دائمة من وإلى المخيم، حسب ما أفادت مصادر مسؤولة عن الإحصاء والتوثيق مقرها في المخيم، وتشكل عشيرتا البادية العمور وبني خالد نحو 25 بالمئة من نسبه سكانه، ويشكل نازحون من محافظة حمص نحو 20 بالمئة منه، فيما يشكل نازحون من حلب وإدلب والرقة ودير الزور وريف دمشق وجزء من عشيرة النعيم والفواعرة بحماة  نحو 45 بالمئة.

بينما يقع مخيم "حدلات" المعروف باسم (الرويشد)، على الشريط الحدودي السوري الأردني، خارج المنطقة منزوعة السلاح (140 كم غرب مخيم الركبان)، يقطنه عوائل نازحة من قرى وبلدات ريف حمص الشرقي بعدد 7500 شخص، ويتميّز بقلة سكانه وانضباطه، إذ يخضع لتدابير أمنية من قبل الفصائل المسيطرة عليه، والتي تمنع إستخدام الانترنت ضمنه، حسب ما أفاد قائد فصيل "أسود الشرقية"، طلاس سلامة "أبو فيصل".

وقال قائد قطاع البادية في "جيش أحرار العشائر"، العقيد عبد السلام المزعل، إن الفصائل المتواجدة في المنطقة لم تتدخل في وضع المخيمين ولا موقعهما، إنما النازحون أنفسهم بدأوا التجمع في المنطقة المنزوعة السلاح كونها الأكثر أمناً لهم، لافتاً لوجود حواجز ونقاط تفتيش ودوريات متنقلة لحماية المخيمين، كون موقعهما الملاصق للحدود الأردنية يسمح لتنظيم "الدولة الإسلامية" باستغلاله لتنفيذ هجمات داخله وأخرى تستهدف حرس الحدود الأردني.

التواجد العسكري في المناطق الحدودية وصراع تقاسم النفوذ

تتواجد في المنطقة الحدودية فصائل عسكرية تتبع للجيش السوري الحر تربط بعضها بالجانب الأردني علاقات وطيدة، وحسب مصادر محلية مطلعة من داخل المخيم طلبت عدم الكشف عن هويتها، ويبسط "جيش مغاوير الثورة" (جيش سوريا الجديد سابقاً) نفوذه على معبر التنف العسكري، وتربطه علاقات وطيدة مع الجانب الأردني، كما أنه يتلقى دعمه بشكل مباشر من غرفة عمليات "الموك".

وبحسب تقارير إعلامية اطلعت "سمارت" عليها فإن غرفة العمليات الدولية المشتركة الشهيرة باسم «الموك»، أسست في 2014 وتترأسها الولايات المتحدة الامريكية مع مجموعة من دول أصدقاء الشعب السوري مثل بريطانيا وفرنسا ودول عربية أهمها السعودية والإمارات، تتواصل من خلالها بشكل مباشر مع فصائل الجيش الحر، عبر غرفتي "الموك" والموجودة في كل من تركيا، لدعم الجبهات الشمالية، والأردن، لدعم الجبهات الجنوبية، إضافة إلى تنسيقهم مع الإئتلاف الوطني السوري لقوى الثورة والمعارضة.

كذلك يبرز "جيش أحرار العشائر" كقوة عسكرية تبسط نفوذها على مخيم "الركبان"، والذي قالت هيئة الأركان الأردنية إنها دربت مقاتليه ضمن معسكراتلها لمواجهة تنظيم "الدولة"، لاسيما أن لهم تعامل مباشر مع حرس الحدود الأردني، فيما يتشارك كل من "أسود الشرقية" و"قوات الشهيد أحمد العبدو" مخيم "حدلات" (الرويشد)، ليبقى فصيل "شهداء القريتين" بلا نفوذ على المخيمات ويقتصر تواجده على بعض المقرات في المنطقة، وفق المصادر الأهلية.

ويقول القائد العام لـ"جيش مغاوير الثورة"، مهند طلاع، إن هناك تفاهم وتنسيق بين الفصائل عموماً على توزيع السيطرة داخل المخيمين وبمحيطهما، موضحاً أنه لا مقرات ولا مفارز لهم داخل المخيمات، ويقتصر دورهم على تأمين المخيمات من الخارج حيث تنتشر حواجز الحراسة لهم، مؤكداً قدرتهم على صد أي هجوم لتنظيم "الدولة" من خارج المخيمات "أما بداخلها ليس لدينا سلاح ولا عناصر".

ويربط "جيش مغاوير الثورة" علاقة وتنسيق "جيد" مع الأردن، كما وصفه "طلاع"، حيث أكد تواصلهم لصد هجمات التنظيم وحماية الحدد الأردنية، كما أشار إلى التنسيق المباشر مع "جهاز الشرطة" داخل مخيم "الركبان" والذي أبلغ في مرات سابقة عن تواجد لعناصر وخلايا نائمة للتنظيم فيه، في محاولة لمساعدة ودعم الشرطة.

وترعى الفصائل العسكرية أعمالاً إغاثية ومشاريع في المخيم بدءاً من النقاط الطبية وصولا للتعليم، وذلك عبر شبكة علاقات تربطها بمنظمات إغاثية وإنسانية وأخرى خيرية، وذلك بهدف كسب تأييد شعبي وعشائري في المخيمين اللذين يعتبران خزاناً بشرياً تمتد صلاته من دير الزور إلى حمص وريف دمشق، بحسب المصادر.

بدوره قال المدير الإداري لمخيم الركبان، مؤيد محمد العبيد، إن فصائل "أسود الشرقية" و"لواء شهداء القريتين" و"جيش مغاوير الثورة" يقدمون دعماً جيداً للمخيمين في مختلف المجالات، كما أوضح قائد "جيش مغاوير الثورة"، مهند طلاع، أنهم افتتحوا مكتب "الشؤون المدنية" في معسكرهم بالتنف، بهدف تقديم المساعدة لسكان المخيمين لاسيما الطبية، إذ استقبلوا حالات مرضية حرجة ويسعون لنقل بعضها للأردن للعلاج.

خلافات واقتتال داخل "الركبان".. وتسويات وتفاهمات

كشف مصدر عسكري لـ"سمارت"، طالباً عدم ذكر اسمه وصفته، أن خلافاً بين فصيلي "أحرار العشائر" و"أسود الشرقية" اندلع داخل مخيم "الركبان" وأسفر عن مقتل مقاتل للأول،مطلع شباط الفائت، وجاء الاقتتال على خلفية دخول عناصر لـ"أسود الشرقية" إلى المخيم ومحاولتهم التمركز فيه وسط رفض من "أحرار العشائر"، لينتهي الخلاف بتفاهم على السماح للأول بإنشاء مخفر له ضمن المخيم.

ووفق المصدر فإن الفصيلين ادعيا وجود حملة عسكريةعلى خلايا نائمة لتنظيم "الدولة" في المخيم، لـ"تبرير" إطلاق النار ومقتل المقاتل، الذي قالا في بيانهما أنه "قتل نتيجة خطأ بالتنسيق بين الفصيلين".

بدوره قال القائد العام لـ"أسود الشرقية"، طلاس السلامة، لـ"سمارت"، إنهم دخلوا المخيم بناء على طلب ساكنيه، مطالبين إياهم باتخاذ دور في إدارته على غرار مخيم "حدلات"، المعروف بانضباطه.

بحسب شهود عيان داخل مخيمي "الركبان" و"الحدلات" فإن المخيمين يضمان معابر عسكرية وإغاثية مع الأردن تدار بشكل مباشر من قبل الفصائل العسكرية.

في مخيم "حدلات" يوجد معبر إغاثي خاص بالمخيم وآخر عسكري يشرف عليه فصيلا "قوات العبدو" و"أسود الشرقية"، فيما يوجد في مخيم "الركبان" معبر إغاثي فقط يشرف عليه "جيش أحرار العشائر"، بينما يسيطر "جيش مغاوير الثورة" على معبر عسكري في منطقة التنف الحدودية مع العراق (نحو 80كم شرق مخيم "الركبان")، وفق مصدر عسكري.

تجنيد شبان المخيم .. ميزات ومكاسب

وحول موضوع تجنيد الشبان من سكان المخيمات، قال الناطق الرسمي باسم "قوات الشهيد أحمد العبدو"، سعيد سيف، إن عدداً من أبناء العشائر انخرط في صفوفهم بعد خضوعهم لـ"دراسة أمنية" ودورات عسكرية، دون الإشارة لمقدار المبلغ الشهري الذي يتلقوه كراتب ثابت، فيما قدرت مصادر محلية المبلغ بـ150 دولار أمريكي.

تجدر الإشارة إلى أن "سيف" عزل عن منصبه كناطق رسمي لـ"قوات الشهيد أحمد العبدو" بعد يوم من إدلاءه بهذه التصريحات لـ"سمارت".

كذلك قال القائد العام لـ"جيش مغاوير الثورة" (سوريا الجديد سابقاً)، مهند طلاع، إنهم دعوا شبان المخيمين للتطوع في صفوفهم، وجندوا أكثر من مئة شاب من سكان المخيمين، خلال سنة ونصف، وخرجوا من معسكرهم في منطقة التنف نحو سبع دورات ضمت أبناء المخيم والعشائر وشبان من مناطق أخرى، مضيفاً أن المقاتل الواحد يتقاضى راتباً شهرياً قدره 300 دولار أمريكي يضاف له الإطعام والمنامة واللباس والتسليح، وعلاجه في حال الإصابة، إلى جانب علاج عائلته ضمن المعسكر و خارج سوريا عند الحاجة.

  جهاز القضاء والشرطة والحكم بقانون "أعراف العرب"

يعمل الجهاز القضائي المشكل ضمن "الإدارة المدنية"، في دار قضاء خاصة به ضمن مخيم الركبان، ويعمل فيه 11 شخصاً مجازاً بالحقوق، بما فيهم رئيس الدار، القاضي محمد الجراح، الذي أوضح أن الأحكام والقوانين التي يعمل بها في المخيم في "أعراف العرب".

وتستمد المحكمة قوتها التنفيذية من جهاز الشرطة ومن الفصائل العسكرية التي وقعت معها مذكرة تفاهم تقضي بمؤازرة الفصائل للمحكمة في حال الطلب وبناء على مذكرة ممهورة بختمها، ويتخذ دار القضاء من أحد مقرات الفصائل القريبة (نحو 3 كم عن المخيم) سجناً يوضع به المتهمون على سبيل الإيداع ريثما تبت المحكمة بقضاياهم.

وتشكلت المحكمة منذ نحو 45 يوماً، حكمت خلالها بعشرين قضية، أتيح فيها حق النقض، كما وثقت أحكامها بسجلات وضبوط خاصة بالشرطة، وبحسب "الجراح" فإنهم يسعون لتشكيل محكمة عليا تضم إلى جانب الأعضاء الحالين ممثلين عن الفصائل العسكرية المتواجدة في المنطقة، على أن يكون ممثل الفصيل من ذوي المؤهلات العلمية ومجاز حقوقياً.

وحول عمل الشرطة في المخيمين، أوضح "الجراح" أن جهاز الشرطة يرأسه المساعد المتقاعد في الشرطة العسكرية بمدينة تدمر، فرج المحمد، ويضم قسم "ضابطة العدلية" وهم عناصر مختصون بتبليغ المدنيين بالدعوى المرفوعة ضدهم وإخطارهم بجلسات المحاكمات، وقسم "الحراسات" ويتألف من 83 عنصراً مختارون بحسب "التزكية" والسلوك الحسن من أبناء العشائر، وتتراوح أعمارهم بين الـ30 والـ 40، تنحصر مهامهم بتسيير دوريات ليلية ونهارية لضبط المخيمين.

ويتقاضى عناصر الشرطة والدفاع المدني وعمال النظافة، وعددهم 135 موظفاً، رواتب شهرية بقيمة 15 ألف ليرة سورية للشخص الواحد، تقدمها منظمة "جسور الأمل"، كما تلقى قسم الشرطة وعوداً من الجانب الأردني بتقديم دعم "جيد"، وفق المدير الإداري للمخيم، مؤيد محمد العبيد.

وأردف "الجراح" أنهم يعتزمون افتتاح مكتب "الإنعاش الإقتصادي" بهدف مراقبة السوق (3 كم شمال الركبان) وضبط الأسعار فيه، كون البضائع تأتي من طريق التهريب في ظل انقطاع المساعدات عن المخيم منذ نحو شهرين.

ويتبع لدار القضاء مكتب السجل المدني والأحوال الشخصية، حيث يمنح عبره وثائق الولادة والوفاة وبطاقات عائلية، كما تسجل فيه حالات الولادة على البطاقات العائلية الصادرة عن النظام أو عن الدوائر في المناطق الخارجة عن سيطرته، ويقبل من العائلة أي وثيقة تثبت نسبها "حتى لو كانت مصدرة بطرق غير شرعية"، بحسب القاضي، محمد الجراح، الذي أوضح أن دورهم يقتصر على توثيق الأحوال الشخصية ومهرها بختم المحكمة، بعد حضور شهود "ثقات"، موضحاً أن الوثائق الصادرة عنهم غير معترف بها لدى أي جهة حتى الآن، بما فيها الأردن.

وعلى خلفية صراع تقاسم النفوذ، ظهرت في المخيمين مجالس عشائرية و"إدارات مدنية" تستمد قوتها وشرعيتها من الفصائل، وسط ردات فعل متفاوتة للهيئات العسكرية والمدنية الموجودة في المخيمين، واعترافات ضمنية من الأردن ببعضها، حيث ستفرد "سمارت" تقريراً مفصلاً تشرح فيه الهيئات المدنية وآليات عملها والمؤسسات الحيوية التابعة لها.

وبالرغم من توقف المساعدات "بشكل مؤقت" عن المخيم، وعدم قيام مكتب الأمم المتحدة في مدينة عمان بواجبه بـ"أمانة"، بحسب سفيرة النوايا الحسنة، الصافية العجلوني، فإن الفصائل تحاول عبر علاقاتها مع منظمات إنسانية وإغاثية إنشاء مشاريع لتحسين أوضاع المخيمين، وتطوير نقاط طبية وتعليمية قائمة فيه.

الاخبار المتعلقة

التقرير السابق
التدخل الإيراني في سوريا: مخاوف من تغلغل ديني وتغيير سكاني
التقرير التالي
التدخل الإيراني العسكري في سوريا: قتلى بالمئات وتمويل وتصدير لميليشيات