مخيم "الركبان" بين محاولات تحسين الواقع والإفتقار لمقومات الحياة

تسعى هيئات مدنيّة في مخيم "الركبان" عند الحدود السورية الأردنية،برعاية فصائل الجيش السوري الحر، لتحسين واقع وظروف النازحين المعيشية فيه، على الرغم من ضعف الامكانيات وانعدام شبه تام لدعم المنظمات الإغاثية ومنظمات المجتمع المدني، ووسط الافتقار لمقومات الحياة الأساسية وغياب المساعدات الأممية، ابتكر النازحون طرقاً لتحصيل قوت يومهم، فيما عاود آخرون النزوح منه إلى مناطق خاضعة لسيطرة النظام وأخرى لتنظيم "الدولة الإسلامية" سالكين طرق تهريب عبر البادية.

هيئات مدنية مشكلة حديثاً واعترافات ضمنية من الأردن ببعضها

يقول رئيس "مجلس عشائر تدمر والبادية السورية"، خضر المحيا، إن "إدارة مدنية"  منتخبة حديثا، ويشكل "المجلس" جزءاً كبيراً منها، تشرف على إدارة مخيم الركبان، مؤكداً عدم تدخل أي فصيل عسكري بإدارة المخيم وتسير شؤونهما، وسط اعترافات بشرعية "المجلس" من فصائل الجيش السوري الحر "قوات الشهيد أحمد العبدو" و "مغاوير الثورة" (سوريا الجديد سابقاً) و"أسود الشرقية"، حسب ما صرح قاداتها لـ"سمارت".

وانتخبت "الإدارة المدنية" منذ أكثر من شهر إذ تتألف من 12 عضواً، وتضم جميع الأطياف الموجودة في المنطقة، بينهم ستة أعضاء من "مجلس عشائر تدمر"، كما يتبع لها مكاتب إغاثية ومالية وخدمات صحية، ومكاتب التعليم والرقابة والتفتيش والخدمات البلدية، إضافة لمخفر شرطة تتوزع عناصره في المخيم والسوق وعند نقطة تعبئة المياه، حسب "المحيا".

وتعمل "الإدارة المدنية" على تنظيم توزيع المساعدات الغذائية عبر لجان صغيرة تابعة لها، فيما توزع المساعدات الدوائية عبر مساعدي الأطباء المتواجدين في النقاط الطبية.

وأوضح "المحيا" أن اجتماعات عقدت بينهم وبين هيئات مسؤولة عن الإمداد الغذائي والدوائي في الأمم المتحدة وبوجود حرس الحدود الأردني، بحثوا فيها العوائق التي تعترض تقديم المساعدات للمخيم، لافتاً أنها كانت منذ أكثر من شهرين، وانقطع الاتصال والإمداد بعدها دون معرفة السبب، بحسب "المحيا".

وقالت شخصيات عدة، عسكرية ومدنية مطلعة داخل المخيم، إن الجانب الأردني ينسق بشكل رئيسي لادخال المساعدات الإنسانية إلى مخيم "الركبان" مع "مجلس عشائر تدمر والبادية" لأنه "مجلس مستقل ولا يتبع لأي فصيل، إنما تشكل من أعيان العشائر وتربطه علاقات جيدة بفصائل الجيش الحر المتواجدة"، فيما يتحفظ (الجانب الأردني)على التعامل مع فصائل وفعاليات أخرى.

بدوره، قال المدير الإداري بمخيم "الركبان"، مؤيد محمد العبيد "أبو عبد العزيز"، إن إتصالات مع الجانب الأردني تجري بين "الإدارة المحلية"، المشكّلة حديثاً، كجهة مسؤولة عن المخيم وتعمل ضمنه فقط، ولا علاقة لها بمخيم "حدلات" (الرويشد) إذ له تواصله الخاص مع منظمات ومندوبين يتواصلون مع الأردن.

وبالمقابل، شكل "جيش أحرار العشائر" العامل في المنطقة، منذ نحو أربعين يوماً، "مجلس عشائر البادية السورية"، وسط ردات فعل متفاوتة للهيئات العسكرية والمدنية الموجودة في المخيمين، حيث جاء التشكيل " كمنافس لمجلس عشائر تدمر والبادية السورية ومحاولة لاقتسام النفوذ" في الشق المدني ضمن المخيم، حسب مصادر خاصة من داخل مخيم "الركبان".

ويقول رئيس "مجلس عشائر البادية السورية"، محمد الحسيان، إن مجلسهم تشكل من 120 عضواً يمثلون 11 عشيرة أبرزها  "بني خالد"، بهدف إيصال المساعدات الإنسانية لمخيم "الركبان"، مردفاً "لم نسمع بأي مجلس يمثل المنطقة قبلنا وله فعاليات على الأرض" (في إشارة إلى "مجلس عشائر تدمر والبادية" الذي كان له دور كبير في تشكيل "الإدارة المدنية" التي باشرت بأداء عملها).

فيما علق المدير الإداري لـ"الركبان"، "أبو عبد العزيز"، بأنّ "مجلس عشائر البادية السورية" هو مجلس شكله عدّة أشخاص ينتمون لعشائر متواجدة بالبادية السوريّة ، وليس له دور على الأرض، مؤكداً عدم وجود تنسيق بينهم وبين الأخير، في حين قال القائد العام لـ"مغاوير الثورة"، مهند طلاع، إنهم وقعوا على وثائق إنشاء "مجلس البادية" ومستعدون لتقديم الدعم لهم، كما أنهم يدعمون وينسقون بالوقت ذاته مع "مجلس عشائر تدمر والبادية".

المخيم وانعدام البنى التحتية

تشرف "الهيئة المدنية" المنتخبة مؤخراً على الأمور الخدمية في مخيم "الركبان"، رغم افتقارها للدعم اللوجستي والمادي، لتدير بعض المؤسسات المنشأة حديثاً بدعم من منظمة "جسور الأمل"، حسب ما أوضح رئيس البلدية في المخيم، "أبو نشوان".

تعمل البلدية على إزالة قمامة المخيم من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثانية ظهراً، كما يتولى قسم الشرطة حراسته، ويتقاضى العناصر راتباً شهرياً من منظمة "جسور الأمل" مقداره 15 ألف ليرة سورية، وفق القاضي محمد الجراح، فيما أكد مسؤول إداري في المنظمة، الطبيب فراس جاسم عبد العزيز، إنهم يقدمون "منح مالية" وليست دائمة.

ويعتمد سكان المخيم في الصرف الصحي على جور فنية بدائية، يحفرها الأهالي أنفسهم قرب خيامهم، وهي "غير صحية وليست منجزة ضمن الشروط الهندسية السليمة"، تكون مكشوفة في الغالب ما يسبب انبعاث الروائح وانتشار الحشرات الضارة مثل "حشرة اللشمانيا"، حسب الطبيب والمسؤول في منظمة "جسور الأمل"، فراس جاسم عبد العزيز.

المياه والكهرباء والاتصالات

تقدم الأردن مياه الشرب للمخيم عبر سيارات تتجمع في "نقطة المياه" (3 كم عن المخيم) بشكل يومي ومواعيد محددة، وتشرف شرطة المخيم على حفظ النظام عند النقطة لتفادي المشاحنات بين السكان، حسب القاضي، محمد الجراح، والطبيب "عبد العزيز".

ويستخدم السكان مياه "الخبرات" (مياه طبيعية في محيط المخيم تجمعت على شكل برك صغيرة) للاستخدامات اليومية، وغالباً ما تكون ملوثة، فيما أفاد القاضي والطبيب بشروع منظمة "نماء" بحفر بئر داخل المخيم لتتوقف لاحقاً نتيجة قلة الدعم.

ويقتصر وجود الكهرباء على عدة مولدات عامة يشترك فيها السكان (نظام الآمبيرات)، حيث تبلغ تكلفة الاشتراك ثلاثة آلاف ليرة سورية لقاء أربع ساعات في اليوم ولمدة أسبوع فقط، حسب ما أفاد أحد السكان في المخيم ويدعى "أبو يوسف التدمري".

أضاف "أبو يوسف التدمري" أن الاتصالات في المخيم تقتصر على شبكة الانترنت الفضائي، حيث يوجد أربع خيام للبث تعود ملكيتها لأشخاص مدنيين، وتبلغ تكلفة ( 20 ميغا) 200 ليرة سورية.

 

تأمين لقمة العيش وأسواق تعتمد على تهريب البضائع

ينشط في المنطقة الحدودية سوقان شعبيان، (3 كم شمال مخيم الركبان)، ويختص الأول ببيع الخبز والمواد الغذائية والخضروات، الواصلة من مناطق خاضعة لسيطرة النظام وأخرى لتنظيم "الدولة الإسلامية" عبر طرق التهريب وبأسعار مرتفعة، حسب شهود عيان من سكان المخيم.

وقال أحد السكان، ويدعى "أبو يوسف"، إن ربطة الخبز (سبع أرغفة) القادمة عبر طريق التهريب تباع بسعر 500 ليرة سورية، فيما يباع "خبز  الصاج" المحلي الصنع بـ 80 ليرة للرغيف الواحد، وتباع السلع الأخرى بأسعار متفاوتة في خيام السوق دون رقابة تبعاً لأجور المهرب ونوع السلعة، على سبيل المثال، يباع كيلو البندورة في إحدى الخيام بـ 900 ليرة وبأخرى بـ700، ويربح كلا البائعان مئة ليرة فقط، ليكون الفرق نتيجة سعر اشترطه المهرب على البائع، حسب مدني آخر يدعى "شكري".

وقال المتحدث باسم "قوات الشهيد أحمد العبدو"، سعيد سيف، إن معظم المواد تصل عبر طريق الرقة، الذي يتحكم فيه تنظيم "الدولة"، أو عبر منطقة الوعر في السويداء جنوباً والتي تسيطر عليها ميليشيات موالية للنظام.

تجدر الإشارة إلى أن "سيف" عزل عن منصبه كناطق رسمي لـ"قوات الشهيد أحمد العبدو" بعد يوم من إدلاءه بهذه التصريحات لـ"سمارت".

وفي سوق المواشي، تكثر الأغنام والخراف والدواجن، وتباع بأسعار منخفضة مقارنة بالمناطق الأخرى، ويرجع ذلك لانعدام العلف والأدوية البيطرية علاوة على صعوبة تأمين المياه لها، وانعدام الحظائر لتربيتها، إضافة إلى سوء انتاجها للحليب، بحسب الطبيب "عبد العزيز" وأحد سكان المخيم "أبو يوسف".

وحسب المصادر المذكورة سابقاً، فإن سكان المخيم يعتمدون على موارد عدة لتأمين قوت يومهم، حيث يعتمد نحو سبعة بالمئة من سكان مخيم "الركبان" على مرتبات أبنائهم المنضمين لصفوف فصائل الجيش "الحر"، فيما يعتمد أكثر من 60 بالمئة من سكان مخيم "الحدلات" (الرويشد) على أبنائهم المنتسبين للفصائل، نظراً لقلة عدد سكانه، وسط تفاوت الرواتب الشهرية تبعاً للفصيل.

كذلك يعتبر جمع أشواك البادية وبيعها مصدر رزق، إذ تستخدم وقوداً لفرن الصاج لصناعة الخبز، كما يمتهن البعض"العتالة" ونقل مياه الشرب من "نقطة المياه" خارج المخيم إليه لقاء أجور زهيدة.

وينشط بعض الباعة الجوالين مستخدمين بسطات محمولة على الكتف أو عربات صغيرة في المخيم، يبيعون الخبز والسجائر وبعض الخضروات، حسب المصادر.

نزوح من وإلى مخيم "الركبان" عبر طرق التهريب بأسعار مرتفعة

يشهد مخيم "الركبان" حركة نزوح منه وإليه بشكل دائم، وذلك تبعاً لللأوضاع الأمنية وتقدم أو تراجع فصائل الجيش "الحر" أو النظام أو تنظيم "الدولة" في مناطق سيطرة كل منهم، ويتم النزوح باتفاق الأشخاص، مع المهرب الذي يتقاضى مبلغاً مالياً يختلف تبعاً لعدد النازحين ووجهتهم.

نزوح من مناطق النظام و"داعش" إلى المخيم

يعتمد الوافدون من مناطق سيطرة تنظيم "الدولة" على مهربي البضائع، ويسلكون طريق الرقة-البادية أو دير الزور-البادية، ويتقاضى المهرب مبلغاً يتراوح بين 300 و 1000 دولار أمريكي عن الشخص الواحد، لاسيما بعد اقتراب المعارك من سد الفرات في مدينة الطبقة (55 كم غرب مدينة الرقة)، والتخوف من انهياره، حسب الطبيب والمسؤول في منظمة "جسور الأمل"، فراس جاسم عبد العزيز، وشهود عيان.

وأفاد مصدر مقرب من تنظيم "الدولة" لـ"سمارت"، أن التنظيم سمح مؤخراً للمدنيين بالنزوح من محافظة الرقة إلى مخيم "الركبان"، حيث خصص مواقف معينة لانطلاق النازحين تاركاً لهم حرية اختيار الوجهة، وبلغت أجور النقل للنازح البالغ 175 دولاراً وللطفل 50 دولاراً، حسب المصدر.

وقال مصدر عسكري، رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، بعض المدنيين نزحوا من مناطق سيطرة النظام جنوب سوريا، عبر طريق السويداء، إلى المخيم، وتبلغ كلفة النزوح للشخص الواحد 600 دولار أمريكي.

نزوح من المخيم إلى مناطق سيطرة فصائل الجيش الحر شمالاً

 تتفاوت تكلفة النزوح من المخيم إلى مناطق سيطرة فصائل "الحر" في ريف حلب الشمالي والحدود السورية التركية، وتترواح ما بين الألف إلى الألفي دولار أمريكي للشخص الواحد، نظراً لمرور المهرب عبر حواجز النظام والتنظيم والاعتماد على دفع "الرشاوى"، حسب المصدر العسكري السابق.

وقال الناطق الرسمي لـ"قوات الشهيد أحمد العبدو"، سعد سيف، إن "السعر يتفاوت بحسب المكان المقصود" إذ يدفع الشخص الواحد ما بين لـ(300-400) دولار أمريكي، للوصل إلى الحدود التركية شمالاً، دون أن يذكر جهة معينة مسؤولة عن الأمر، وأضاف: "ساهمنا بإخراج بعض العوائل من المخيمات إلى الشمال السوري، حيث طلبنا من سائقي صهاريج المازوت المتوجهة إلى الشمال نقلهم معهم(...) حتى لو أوقفهم التنظيم فهم بالنهاية مدنيون".

وأشار "سيف" أنهم تمكنوا من إحضار عدد من المقاتلين من الشمال السوري إلى منطقة المخيمات، إذ بلغت كلفة تهريب المقاتل الواحد 200 دولار أمريكي.

نزوح من المخيم إلى مناطق سيطرة النظام وتنظيم "الدولة"

ويعتبر هذا النوع من النزوح الأقل انتشاراً، كونه يتعلق بالنزوح للعلاج أو العمل، ويعود معظم النازحين عبر الطريق ذاته بعد انتهاء علاجهم، بكلفة 400 دولار للشخص الواحد، بحسب مصدر طبي رفض الكشف عن اسمه، ويكون النزوح إلى مناطق التنظيم عبر بادية تدمر، فيما يسلك النازحون لمناطق النظام طريق ريف السويداء الشرقي.

وبالرغم من تدني مستوى المعيشة وغلائها وشبه انعدام مقومات الحياة في مخيم يؤوي نحو 60 ألف نازح، تسعى بعض المنظمات لدعم قطاعي التعليم والصحة. حيث ستفرد "سمارت" تقريراً مفضلاً تسلط فيه الضوء على وضع الصحة والتعليم فيه.

وبالرغم من توقف المساعدات "بشكل مؤقت" عن المخيم، وعدم قيام مكتب الأمم المتحدة في مدينة عمان بواجبه بـ"أمانة"، بحسب سفيرة النوايا الحسنة، الصافية آل العجلوني، فإن الفصائل تحاول عبر علاقاتها مع منظمات إنسانية وإغاثية إنشاء مشاريع لتحسين أوضاع المخيمين، وتطوير نقاط طبية وتعليمية قائمة فيه.

الاخبار المتعلقة

التقرير السابق
التدخل الإيراني العسكري في سوريا: قتلى بالمئات وتمويل وتصدير لميليشيات
التقرير التالي
أهالي مضايا يوافقون على الخروج مقابل الخلاص من الحصار.. والمجلس المحلي يهاجم المعارضين (فيديو +صور)