"الموحدون الدروز" في إدلب: فقر وتهميش ونزوح تحت سيطرة فصائل عسكرية

خرج رئيس النظام السوري بشار الأسد في أول خطاب له بعد قرابة الأسبوعين على إنطلاق المظاهرات الشعبية ضده في البلاد، متحدثا عن "مؤامرة وفتنة" تسعى إلى "تحريض الطوائف" ضد بعضها، قائلا:"يقولون لطائفة انتبهوا الطائفة الأولى ستهجم، وللأولى انتبهوا الطائفة الثانية ستهجم عليكم". مثّل هذا الكلام أول واقعة سترسم سياسة النظام ورئيسه في التعامل مع المظاهرات والاحتجاجات، ليركز في خطب لاحقة وعبر وسائل الإعلام التابعة له، على توصيفها بـ"الإرهاب" و"التكفريين". في المقابل، عرف الحراك المدني والسياسي المعارض مشاركة لسوريين من أديان وطوائف وقوميات مختلفة، برز منها شخصيات عدة، حتى أن بعضهم انخرط في صفوف "الجيش السوري الحر"، وبينهم عدد من أبناء الطائفة الدينية الدرزية في سوريا عموما، ومحافظة إدلب بالتحديد.

منذ عام 2015، تقع محافظة إدلب تحت سيطرة فصائل من "الجيش الحر" وكتائب إسلامية. وتتعرض لقصف جوي متواصل من قوات النظام وحليفته روسيا. حيث ألقى هذا الواقع الجديد بتأثيراته على حياة السكان في المحافظة، وبشكل خاص على الأهالي من الطائفة الدرزية.

"الموحدون الدروز" في سوريا

يتمركز السوريون من الطائفة الدرزية والمعروفون باسم "الموحدين الدروز" نسبة إلى عقيدتهم الأساسية في "توحيد الله"، في محافظات دمشق وريفها والقنيطرة (الجولان) والسويداء جنوبي سوريا، وفي إدلب شمالها. كذلك يتواجدون في الأردن وفلسطين ولبنان. وقدّر تقرير الحريات الدينية الذي أصدرته وزارة الخارجية الأمريكية عام 2015، أعدادهم في سوريا بنسبة 3 بالمئة من إجمالي السكان، وذلك في ظل غياب إحصائيات رسمية سورية حديثة. وفي إدلب، يتوزعون على 18 قرية في شمالها ضمن منطقة تعرف بجبل السماق، أشار آخر تعداد سكاني للمكتب المركزي للإحصاء التابع للنظام عام 2004، أن عددهم يصل إلى 30 ألفا.

يُعد "الموحدون الدروز" طائفة دينية باطنية حيث لا تتاح تعاليمهم ومصادرها للتداول العلني وتحصر بين أتباع الطائفة فقط. وتُرجع دراسات تاريخية وباحثون نشأتهم إلى عهد الدولة الفاطمية وبالتحديد الخليفة الحاكم بأمر الله.

قرى "السماق" تحت سيطرة "تحرير الشام" وشكاوى من تعدياتها

تقع قرى جبل السماق تحت سيطرة "هيئة تحرير الشام" التي شكلها عدة مجموعات عسكرية هي "هيئة فتح الشام، حركة نور الدين زنكي، جيش السنة، لواء الحق وجبهة أنصار الدين". وفي ظل السلطة العسكرية والأمنية لـ"الهيئة"، يشرف على إدارة الشؤون المدنية لهذه القرى مجلس محلي، حيث يبلغ عدد تلك المجالس عشرة حسب ما أفاد "محمد" (اسم مستعار) وهو أحد أبناء قرية قلب لوزة. وأضاف أن المجالس تعمل بشكل مستقل "دون تدخل مباشر" من "تحرير الشام". فيما أشار "تامر" (اسم مستعار) أحد سكان القرية، أن أعضاء المجالس المحلية ينتخبون اعتمادا على ترشيحات الأهالي.

من جانبه، قال "باسل" (اسم مستعار) أحد أبناء قرية كفتين، إن المجلس المحلي لديهم "لا يمتلك أية صلاحيات"، وإن من يقوم بإدارة أمور القرية هو "تحرير الشام" دون الرجوع إلى المجلس. وذكر أن "الهيئة" صادرت أملاك وبيوت الأشخاص الغائبين عن القرية لتؤجرهم  لحسابها. إضافة إلى سيطرتها على الفرن الوحيد للقرية منذ أشهر، حيث جرى إغلاقه وفساد كميات كبيرة من الطحين والخميرة.

إلى ذلك، نفى المسؤول الإعلامي في "تحرير الشام"، عماد الدين مجاهد، بحديث لـ"سمارت" هذه الاتهامات، قائلا إن المجلس "غير صالح بشهادة أبناء القرية ومختارها"، الذين طالبوا بتغيير أعضائه وفق انتخابات، كما قدموا دعاوى قضائية ضده مثل اختلاس الأموال. وأشار أن "تحرير الشام" صادرت أملاك "من ثبت عليهم العمالة والتجسس لصالح نظام الأسد".

غياب تام لمرافق الخدمات واتهامات لهيئات سياسية وإغاثية بالإهمال

أوضح رئيس المجلس المحلي في قلب لوزة، خالد أبو طلال، إن القرية تفتقر لوجود مراكز الخدمات الطبية والأفران، معلّقا "ليس  هناك ما يسمى البنى التحتية للقرية"، في ظل الغياب "الكامل" لدعم واهتمام الائتلاف الوطني السوري بالمنطقة. ووصف شبكة المياه الحالية بالقديمة غير القابلة للاستخدام بسبب كثرة الأعطال وسرقة جميع المضخات منها، فيما يعتمد السكان على آبار المياه المتواجدة في قرية قورقانيا و منطقة حارم، حيث تنقل المياه بصهاريج (خزانات متنقلة) يصل سعرالواحد منها إلى ستة آلاف ليرة سورية، إضافة إلى بئر آخر في قرية حتان تدعم خدماته منظمة "غول" (هدف) الإيرلندية، ويبلغ سعر خزان مياهه نصف التكلفة السابقة.

بدوره، قال الناشط أيهم الدرزي، أحد أبناء قرية كفتين، إن عدم صلاحية شبكة المياه وارتفاع أسعارها دفع البعض إلى حفر آبار خاصة وبيع المياه بسعر سبعة آلاف ليرة للصهريج، مشيرا إلى غياب نشاط المنظمات الإنسانية عن المنطقة، باستثناء مؤسسة "غول" التي تقدم موادا إغاثية للسكان كل 45 يوما.

واتهم رئيس المجلس المحلي في كفتين عبد المجيد شريف، الائتلاف والمسؤولين عنه بـ"الإهمال والتقصير" تجاه قريته والقرى المجاورة، مضيفا" قاتلهم الله فليس بيننا وبينهم أي علاقة".
 
نزوح أبناء قرى "السماق" نتيجة البطالة والفقر

تعد زراعة الزيتون والحبوب موردا اقتصاديا أساسيا لسكان قرى جبل السماق، كما بقية قرى إدلب. وتنتشر ضمن المحافظة  مواقع أثرية مسجلة على لائحة التراث العالمي تعرف بـ"المدن المنسية"، منها مواقع أثرية تعود للعصر البيزنطي في قرية قلب لوزة.

وأوضح مصدر محلي من قرية قلب لوزة، رفض نشر ما يشير لهويته، أن "هيئة تحرير الشام" منعت تجارة التبغ والعمل به بعد سيطرتها على مناطق الجبل، ما تسبب بارتفاع نسبة البطالة والفقر بين السكان نتيجة اعتمادهم على هذه التجارة كمورد أساسي للدخل، حيث بلغت نسبة البطالة 70 بالمئة تقريبا وفقا له.

وأضاف "ما يزيد الأمر سوءا هو وجود نازحين من خارج القرية، تجاوز عددهم 200 عائلة. وتبقى الأفضلية لهم في حال وجود أي معونات إغاثية كونهم نازحين لدينا".

وجراء انتشار الفقر والبطالة، شهدت قرى المنطقة حركة نزوح كبيرة إلى تركيا ولبنان وجنوبي سوريا، لينخفض عدد سكانها إلى 3500 نسمة الآن بمن فيهم النازحون إليها، حسب المصدر.

أما رئيس المجلس المحلي في كفتين "شريف"، فأشار إلى عمل سكان القرية على سيارات الشحن الخارجي (البرادات)، إضافة إلى الزراعة، حيث يبلغ عددها 150 سيارة توقف معظمها عن العمل بسبب إغلاق المعابر الحدودية وانعدام الأمان، إضافة إلى مصادرة النظام عددا منها لاستخدامها في نقل الذخائر والسلاح، في حين أجبر عددا من سائقيها على قيادتها في مناطق خطرة، حيث تعرض أحدها للقصف ومازال مصير سائقها ومرافقه مجهولا.

وبينما كان عدد سكان القرية 3500 نسمة عام 2011، يبلغ عددهم اليوم 2200 نسمة، كما تستضيف نازحين من ريف حلب وحماة وقرى أخرى في إدلب، ليصل إجمالي عدد قاطنيها إلى سبعة آلاف نسمة، وفق "شريف".

يعيش أهالي قرى جبل السماق في إدلب ظروفا حياتية صعبة، تسببت بنزوح أبنائهم فيما يعاني المتبقون فيها من البطالة وفقدان موارد الرزق، نتيجة لتعديات وسياسة الفصائل والكتائب الإسلامية المسيطرة من جهة والنظام من جهة أخرى. وفي ظل القصف وموجات النازحين القادمين إليها، تفتقد هذه القرى لأي دعم إغاثي أو اهتمام من هيئات سياسية بتحسين بناها التحتية، ليطلق ناشطون محليون عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعوات لدعم هذه القرى، فيما يرى آخرون أن وضعها مماثل لقرى وبلدات أخرى في المحافظة. أما حال الحرية الدينية لهؤلاء السكان فهو أمر آخر، تضاربت الأنباء حوله خلال السنوات الماضية دون توفر معلومات دقيقة، ومع رفض المصادر التي تواصلت "سمارت" معها الحديث عن هذا الجانب.

 

الاخبار المتعلقة

التقرير السابق
ناحية عقيربات المنسية.. بين ناري حكم تنظيم "الدولة" وقصف وحصار النظام وروسيا (1/2)
التقرير التالي
المعتقلون في سجون النظام خلال شهر رمضان بين التعذيب والتنكيل