اندثار بعض المهن اليدوية شمال حمص وتراجع أخرى بسبب حصار النظام

يتحكم الحصار الذي يفرضه النظام السوري على المدن والبلدات والقرى شمال حمص، وسط  سوريا، منذ العام 2012، بظروف المدنيين هناك، الأمر الذي انعكس سلبا على الحياة اليومية، وبدا تأثيره جليا على المهن اليدوية، حيث توقف بعضها بشكل كامل وأخرى تراجعت فيما لا تزال مهن تصارع للبقاء.

حرفيون هجروا مهنهم مكرهين 

توقفت في مناطق شمال حمص المحاصرة المهن المتعلقة  بالبناء والإكساء، مثل نجارة "الإسمنت"، وبلاط المنازل، ونجارة الألمنيوم، والكهرباء المنزلية، بسبب ارتفاع الأسعار، والقصف الذي شهدته المنطقة الأمر الذي أدى لتدمير المنازل والمرافق العامة، وانقطاع متواصل للتيار الكهربائي، وبالتالي انعدام رغبة الأهالي ببناء شيء جديد إلى أن تهدأ الأمور، حيث التقى مراسل "سمارت" مع عدد من أصحاب تلك المهن للحديث أكثر عن الأمر.

وقال أحد عاملي البناء سابقا، ويدعى "عمر"، إنه توقف تماما عن مزاولة مهنته، ليعمل حاليا في مجال "تصليح الأحذية"، مردفا هذا "زمن خراب وتدمير وليس بناء"، كما أضاف أن الأهالي باتوا يقومون بأمور البناء البسيطة بأنفسهم، ما دفعه لينتقل إلى مهنة أخرى، لافتا أن نجارة المنزل الواحد كانت تستمر لعدة أشهر وكان مردودها يكفي لإعالة أسرته  لنصف عام.

 ويصف عمر مهنته الجديدة بأنها سهلة ولاتحتاج معدات كثيرة أو مستلزمات غالية الثمن، لكنه عبّر عن عدم محبته لها قائلا " لا أحب هذه المهنة وأعمل بها مجبرا بغرض العيش، وهي بالكاد تؤمن ثمن الخبز لأسرتي". 

أما أحد العاملين في مجال الالكترونيات سابقا، ويدعى "أبو بشار"، وهو نازح من مدينة الرستن، أشار إلى أن انقطاع الكهرباء وتضييق قوات النظام على إدخال المواد الأولية، إضافة إلى الغلاء وارتفاع الأجور، كان كفيلاً بتركه لهذه المهنة.

من جانبه قال صاحب "منشرة رخام" سابق، ويدعى "حسن"، إن مهنته كانت تجني له مالا وفيرا؛ كونها "مهنة كماليات"،  كما اعتبر أن قوات النظام " أخذت على عاتقها قلع كل ماهو جميل وتدميره، فبات طموح الأهالي لا يتجاوز بناء غرفة ومطبخ،في أي مزرعة مجاورة، بعيدا عن الغارات والدمار والقتل"، فهجر مهنته.

ويعمل "حسن" حاليا في (محل للحلويات)، حيث أشار أن هذه المهنة لم تتأثر بالأوضاع الراهنة، ولاتحتاج لمواد كثيرة يصعب الحصول عليها، مضيفا أنه يملك رأسمال جيد مكنه من توسيع مشروعه وتشغيل عدد من العمال لديه، ويكسب مالا وفيرا.

صمود بعض المهن واللجوء لمخلفات الدمار لتأمين المواد الأولية

تراجعت بعض المهن شمال حمص مثل الحدادة ونجارة الخشب وميكانيك السيارات والدراجات الهوائية والخردوات، لكنها حافظت على وجودها من الاندثار، رغم كل الظروف.

قال أحد العاملين في "صيانة الدراجات الهوائية"، ويدعى "أبو محمد"،  لمراسل "سمارت"، إن مهنته تراجعت بشكل كبير، وعزا ذلك لخوف الأهالي من إخراج أطفالهم للعب خارجا على الدراجات، إضافة لارتفاع سعر قطع الغيار وقلتها، وأوضح أن ثمن الدراجة سابقا كان يتراوح بين 1500ــ 2000 ليرة سورية، "أما الآن لا يوجد دراجات جديدة"، ما جعل عمله يقتصر على الصيانة، التي لا تحتاج لقطع غيار يتوجب جلبها من الخارج، وبين أنه كان يتقاضى 50 ليرة سورية فقط على تعديل إطارات الدراجة أما اليوم فالمبلغ أصبح 300 ليرة.

أما أحد العاملين في "الحدادة الإفرنجية"، في منطقة الحولة، ويدعى "محمد"، أخبر المراسل أن مهنته بدأت تتراجع منذ بداية الحصار بسبب كثرة الحواجز على الطرقات وصعوبة إدخال المواد الأولية، إضافة لارتفاع سعر الحديد عشرة أضعاف السعر القديم (ما قبل الحصار)،  و"عليه فإن النافذة  التي كانت تكلف ألف  ليرة سورية باتت بنحو 8000 ليرة".

وأردف "محمد"، أن الحلول البديلة التي لجأ إليها وأصحاب مهنة الحدادة، هي الاعتماد على مخلفات الدمار في المنطقة من أبواب ونوافذ، إضافة إلى الحديد المستعمل الذي يقومون بشرائه وإعادة تصنيعه للتخفيف عن المواطنين. مشيرا إلى كثرة هذه المواد في منطقة الحولة جراء حركات النزوح الكبيرة، التي خلفت الكثير من المنازل الفارغة التي باعها أصحابها قبل مغادرتهم.

من جانبه لفت، أحد سكان الحولة، ويدعى "أبو محمد" أنه لم يستطع شراء نوافذ جديدة ولا حتى مستعملة حين قصف منزله، وذلك لارتفاع تكلفتها، فقام بإلصاق النوافذ القديمة بمادة  "النايلون" ما كلفه حوالي ألف ليرة للنافذة  الواحدة، ورغم ذلك فقد استغنى عن بعضها أيضا.

ازدهار بعض المهن 

شهدت بعض المهن تقدما، وذلك لارتباطها بظروف المدينة المحاصرة، والأساليب الجديدة لحياة الناس فيها؛ ومنها مهنة بيع وإصلاحألواح الطاقة الشمسية، البديلة عن الكهرباء.

أخبرنا كهربائي الكترونيات، يدعى "أبو بشار، أنه لجأ خلال العامين 2014 و2015 للزراعة بوصفها "المهنة الصامدة في الحصار"، ثم عاد لمهنته محاولا إحياءها بعد أن باتت الأجهزة الكهربائية "شيئا من الماضي"، موضحا أن المواد الأولية لا زالت قليلة ومرتفعة الأسعار نتيجة "خوف قوات النظام السوري من إدخال المواد الكهربائية"، ولكن أصبح من الممكن تأمين بعضها من مناطق النظام نفسه مع ضريبة عالية عليها، إضافة لاستعانته في أغلب الأوقات بأجهزة تالفة، يشتريها كخردة، ليستفيد من القطع الصالحة فيها لإحياء أجهزة أخرى ما تزال تعمل.  

تضاعف أسعار المواد والنظام يفرض أتاوات باهظة

شهدت جميع المهن على اختلاف ظروفها تضاعفا في أسعار المواد الأولية وأجور العاملين، ومقابل ذلك انخفاض في القدرة الشرائية للمواطنين، والإقبال على الأسواق، وعلاوة على ذلك الأتاوات التعجيزية التي تفرضها حواجز قوات النظام السوري على كل قطعة تدخل إلى المنطقة المحاصرة.

وأوضح "أبو بشار" (كهربائي الالكترونيات)، أن القطعة الكهربائية التي كانت ب 50 ليرة سورية قبل الحصار باتت الآن ب 550  وقد تصل إلى ألف ليرة، وعلى سبيل المثال، التلفاز الذي كان سعره 4,500 ليرة، الآن سعره يصل إلى عشرة آلاف.

وأضاف، أن ارتفاع الأسعار حصل تدريجيا، وإن بعض التجار شمال حمص زادوا الأمور سوءا حين استغلوا "الحرب" وساندوا قوات النظام من خلال احتكار المواد ورفع أسعارها.

وتصل المواد إلى  مناطق حمص الشمالية المحاصرة  عبر معبر رسمي وحيد مع النظام (معبر الدار الكبيرة)، ومعبرين غير رسميين جنوب حماة،  وهذه المعابر تفرض أتاوات مرتفعة جدا، بحسب مراسل "سمارت".

وردا على سؤالنا عن تلقي أصحاب المهن المساعدات من المجالس المحلية لدعم استمرار مهنهم وتطويرها، قال "أبو بشار"، أن المجالس "غارقة في تأمين الخبز المدعوم والمياه للأهالي والنازحين، وليسوا قادرين على دعم هكذا مهن فهو باب واسع ومكلف جدا".

ومنذ اندلاع الثورة السورية العام 2011، شهد سعر صرف الليرة السورية انخفاضا كبيرا أمام الدولار الأمريكي، ما أدى لتدهور الاقتصادي السوري، وارتفاع أسعار المواد بشكل كبير، حيث وصل سعر صرف الليرةإلى 620 مقابل الدولار في إحدى الفترات، الأمر الذي لا يتحمله المواطن السوري "محدود الدخل".

الاخبار المتعلقة

التقرير السابق
ناحية عقيربات المنسية.. رحلة الهروب من الموت إلى الموت (2/2) (فيديو)
التقرير التالي
القضاء في الشمال السوري: مرجعية فصائلية وفقدان لثقة السكان