القضاء في الشمال السوري: مرجعية فصائلية وفقدان لثقة السكان

اعداد عبدو الفضل| تحرير هيفا حداد🕔تم النشر بتاريخ 8 آب، 2017 22:15:06 تقرير موضوعيعسكريسياسياجتماعيقضاء

يعد استقلال القضاء أحد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها الدول الحديثة، وأكدته الأمم المتحدة عام 1985 في قراراتها، حيث تعتبر السلطة القضائية موازية للسلطتين التشريعية والتنفيذية، ويفترض أن يخضع لقوانينها حتى أصحاب المناصب العليا في الدول والحكومات. وترى الأمم المتحدة في جملة مبادئ سنتها، أن على القضاة استيفاء المؤهلات والكفاءة القانونية، والنزاهة، وأن لا يقوم اختيارهم على أي تمييز من أي شكل كالجنس والدين والقومية والآراء السياسية أو غيرها.

وفي سوريا التي خرجت مناطق واسعة منها عن سيطرة قوات نظام بشار الأسد منذ عام 2011، وتقع اليوم تحت سيطرة فصائل عسكرية مختلفة، قامت عدة محاولات وتجارب لإنشاء هيئات قضائية تحل مكان المحاكم التابعة للنظام، في ظل قصف مستمر لقوات الأخير على تلك المناطق، وانتشار الفوضى وانعدام الأمان، واقتتال وتناحر بين الفصائل المسيطرة. فما مدى نجاح هذه المحاولات وثقة السكان بها؟ وهل استطاعت العمل باستقلالية؟  

 

طبيعة الهيئات القضائية المنشأة ومرجعياتها

يرى رئيس محكمة مدينة معرة النعمان بمحافظة إدلب أحمد علوان، في حديث إلى وكالة "سمارت"، أن الهيئات القضائية المقامة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام وتحت ظروف "الحرب"، "محاكم ضرروة لا يستغنى عنها لأنها صمام آمان" للسكان. لكنه لا ينفي تبعيتها للفصائل العسكرية المسيطرة قائلاً: "لدينا محاكم دور القضاء ومرجعيتها هيئة تحرير الشام، ومحاكم الهيئة الإسلامية للقضاء وهي باقي الفصائل الموجودة في باقي المناطق"، منوّها أن تعدد مرجعيات القضاء بين الجهتين المذكورتين هو "أكبر خلل" يعاني منه.

ويؤكد رئيس المحكمة التابعة بدورها لـ"الهيئة الإسلامية"، طبيعة هذه المحاكم "بالشرعية" حيث تعمل وفقا للشريعة الإسلامية، وقضاتها رجال دين (شيوخ) يحملون إجازات جامعية في الشريعة، دون الإشارة إلى استيفاء أي منهم لكفاءات أو خبرات قضائية وقانونية. وتضم كل "غرفة قضائية" مستشارين يحملون إجازات في الحقوق، مضيفا أن هذه الهيئات تعتمد قوانين أصول المحاكمات والإجراءات المعمول بها في محاكم النظام أيضا.  

في المقابل، يرى المحامي مصعب الجمل، عضو "الهيئة الحقوقية للثورة السورية" المؤسسة عام 2013، أن لا مشروعية أو قانونية للهيئات القضائية التي شكلت، لغياب السلطة التشريعية التي تسن التشريعات والضوابط التي تحكم عمل السلطتين القضائية والتنفيذية. معتبرا أن تعدد الفصائل أدى إلى تقديم كل منها "قوانين وأنظمة من بنات أفكارها"، لا ترتبط بالشريعة الإسلامية، ويحكم بها "شرعيون" لا يمتلكون المؤهلات القانونية والأكاديمية حسب وصفه.

 

القضاء تحت سلطة الفصائل: محاكم أم معتقلات؟

حسب تصريحاتجمعتها "سمارت" من مصادر مطلعة ومعتقلين لدى فصائل ومجموعات عسكرية، كحركة"أحرار الشام الإسلامية" و"فيلق الشام" و"هيئة فتح الشام" (جبهة النصرة سابقا) و"الفرقة الوسطى"، تحدثوا خلالها عن ظروف اختطافهم واعتقالهم، وأشكال التعذيب الذي تعرضوا لها في سجون الفصائل، دون خضوعهم لمحاكمات عادلة وعلنية، بناءا على اتهامات مرتبطة بعداءات الفصائل مع بعضها أو مع مجموعات جهادية. حيث تفاوتت التهم بين الانتماء والارتباط بالجيش الحر أو قاداته، ووجود صلات مع "النصرة" وتنظيم "الدولة الإسلامية" و"جند الأقصى"، وزراعة الألغام لاغتيال عناصر أو قيادات منها، إضافة إلى التعامل مع النظام.

وعن تجرية اعتقاله في سجن محكمة منطقة باب الهوى بإدلب، التابعة لـ"أحرار الشام"، يقول الناشط فايز الدعيم إنه احتجز في منفردة لـ83 يوما بعد اختطافه من قبل "الأمنيين" (المقصود عناصر أمنية للحركة)، بتهمة "إساءته للثورة" بعد انتقاده "للأمنيين وتجاوزاتهم". موضحا أن المنفردات في السجن (2 متر، 90 سم للواحدة) خصصت للسجناء السياسيين ومعتقلي الرأي، فيما يحتجز في المهاجع أصحاب الجنح والمتهمون بالتعامل مع نظام "الأسد"، أما الأسرى من تنظيم "الدولة" أو المشتبه بتشددهم أو المتعاملين معه فيحتجزون في منفردات مغلقة على بعضها تتسع الواحدة منها لأربعة سجناء تدعى "الكاظات".

وقال مصدر مطلع رفض نشر اسمه لـ"سمارت"، أن محكمة بلدة ترملا التابعة لـ"أحرار الشام"، المختصة بالقضايا المدنية والجنائية، تملك سجنين، الأول للمتهمين بالقضايا المذكورة آنفا عناصره من "الشرعيين الذين تمت تزكيتهم من قبل قيادات ألوية تابعة للحركة". والآخر معني بمتهمي القضايا الأمنية هو سجن الـ57 المعروف بأساليب التعذيب المستخدمة ضد المعتقلين، وفق المصدر. كذلك أشار إلى وجود محكمة ثانية تعنى بالقضايا الأمنية، هي محكمة بلدة كفرنبل والتي يستكمل ضمنها عملية التحقيق مع المعتقلين من سجن محكمة ترملا.

حالات الاعتقال والتعذيب في سجون المحاكم التابعة للفصائل، وطبيعة التهم الموجهة للمعتقلين وغياب أي دور للقضاء للبت فيها، تُناقض تأكيدات القاضي "علوان" في تصريحه، على أن الفصائل ليس لها حصة من المحاكم، ولا تتدخل أو تسيطر عليها، حيث "ينحصر دورها بحمايتها وحصانتها". كذلك تشير إلى عدم تطبيق الآلية المعتمدة لعملية إلقاء القبض على المتهمين، والتي حسب القاضي وعضو المحكمة العليا بحمص، جمال الأشقر، يجب أن يصدر قرارها عن قاضي التحقيق أو رئيس النيابة العامة أو القاضي المناوب (خارج أوقات الدوام الرسمي) "في حال وجود دلائل كافية"، وتنحصر مسؤولية النيابة بالإشراف على تنفيذ القرارات وعمل القوة المنفذة، حيث تزود الأخيرة بأمر خطي للقبض على المتهم.

يشار في السياق أن "هيئة فتح الشام" اندمجت في "هيئة تحرير الشام" التي يتبع لها دور القضاء، فيما تعد "أحرار الشام" و"فيلق الشام" فصائل داعمة لـ"الهيئة الإسلامية للقضاء"، وهي الهيئات القضائية الرئيسية في محافظة إدلب. وكان من نتائج الاقتتال بين هذه الجهات العسكرية، أن اقتحمت"فتح الشام" السجن المركزي في إدلب التابع لـ"الهيئة الإسلامية للقضاء"، أوائل العام الحالي، حسب رئيس الأخيرة في المدينة جابر علي باشا.

 

رأي الشارع: حاجة للقضاء وغياب الثقة بالمحاكم المقامة

استطلعت "سمارت" آراء عدد من السكان في ريف حلب وإدلب شمالي سوريا حول المحاكم الناشئة في مناطقهم، حيث أبدى "أبو عمر" سروره لتفعيل دور القضاء وهيئاته رغم عدم قدرتها على تطبيق قراراتها على من هو "فوق القانون والمحاسبة". كذلك اعتبر ياسر كجك، أن القضاء "ضرورة ملحة"، وأن المحاكم المقامة أسهمت "بنوع من رد المظالم لأصحابها وتفعيل اللجوء للقانون السوري". فيما أكد رامي مصطفى على ضرورة وجود مرجعية قضائية واحدة مشكلة من جميع الهيئات القضائية والعسكرية، مشيرا أن تعدد مرجعيات المحاكم تؤدي إلى إعادة محاكمة الشخص نتيجة عدم اعتراف فصيل بحكم محكمة تتبع لفصيل آخر.

لكن آخرين عبروا عن عدم ثقتهم بتلك المحاكم والهيئات، نتيجة "تحكم الفصائل بها" وفق براء جمعة، أو نتيجة "فسادها وضعفها" حسب "أبو عائشة". وأشار "ياسر" عن "عجز" الكادر القضائي "حيث يوجد في السجن أكثر من 800 سجين دون محاكمة"، دون تسمية السجن المقصود. فيما قال مصطفى: "لا يوجد فيها شرع ولا يتم التمييز فيها بين الحكم الشرعي وغيره، كما تتبع المحكمة للفصيل الذي يدعمها".

 

قد يرى البعض أن الحديث عن استقلالية القضاء في الظرف الراهن الذي تعيشه سوريا، مثالية وبعد عن الواقعية. لكن حوادث الاعتقال القسري والتعذيب في سجون الفصائل، وغياب دور المحاكم الناشئة عن محاسبة المنتهكين لحقوق المدنيين، وسلطة الفصائل عليها، إضافة إلى ضعف ثقة السكان بقدرتها على سنّ أحكام عادلة، يضع هذه الهيئات وكوادرها أمام مسؤولية المراجعة والنقد وتغيير الأداء والآليات المعتمدة بعيدا عن صاحب السلطة العسكرية وبما يجعله يخضع لقوانينها كغيره من المواطنين. وهو غاية لسوريا الواقعة أيضا تحت حكم نظام بشار الأسد، حيث الحاكم والمسؤول "فوق القانون والمحاسبة".

 

الاخبار المتعلقة

اعداد عبدو الفضل| تحرير هيفا حداد🕔تم النشر بتاريخ 8 آب، 2017 22:15:06 تقرير موضوعيعسكريسياسياجتماعيقضاء
التقرير السابق
اندثار بعض المهن اليدوية شمال حمص وتراجع أخرى بسبب حصار النظام