منهاج اللغات القومية في الحسكة: اضطرار لتطبيقه ومخاوف من آثاره على الجيل الحالي

تحرير هيفا حداد🕔تم النشر بتاريخ 12 تشرين الأول، 2017 23:02:14 تقرير موضوعياجتماعيفن وثقافةثقافة

أصدرت هيئة التربية والتعليم التابعة لـ"الإدارة الذاتية" الكردية بداية عام 2015، منهاجا مدرسيا جديدا بثلاث لغات هي العربية والكردية والسريانية، مُلزمة كل مكون عرقي الدراسة بلغته الأم في كافة المدارس العامة والخاصة بمحافظة الحسكة والمناطق المسيطرة عليها. وحول هذا المنهاج قال رئيس الهيئة حينها، محمد صالح عبدو، خلال مؤتمر صحفي: "سياستنا هي تعزيز التفاهم والعيش والمصير لكل هذه المكونات"، معتبرا إياه "إنجازا تاريخيا". فكيف يرى سكان الحسكة بمكوناتهم المختلفة هذه السياسة التعليمية بعد مرور عامين دراسيين على تطبيقها؟

منهاج اللغات الثلاثة

أوضحت الرئيسة الحالية المشتركة لمديرية التربية والتعليم، شهناز سوار، في تصريح إلى "سمارت"، أن "الإدارة الذاتية" بدأت في عام 2012 إدخال مادة لتعليم اللغة الكردية للسوريين من القومية الكردية، تلاها في 2015 تطبيق منهاج اللغات الثلاثة الذي يشمل اليوم المرحلة الابتدائية كاملة في محافظة الحسكة، فيما يدّرس في المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية في مدينتي عفرين وعين العرب (كوباني) بمحافظة حلب.

ويتعلم الطفل خلال السنوات الثلاثة الأولى بلغته الأم، ليبدأ في السنة الرابعة تعلم إحدى لغات المكونات الأخرى للمنطقة، وفي السنة الخامسة تضاف اللغة الإنجليزية. ويبلغ عدد المدارس العاملة بهذا المنهاج 1500، وعدد المعلمين 12,600، فيما وصل عدد طلاب المرحلة الابتدائية الذين تقدموا لامتحانات العام الدراسي المنصرم 175 ألفا، حسب "سوار".

المعلمون بين رفض ومناصرة المنهاج الجديد

ترفض مدرسة المرحلة الإبتدائية ريما محمد، العاملة في مجال التعليم منذ 12 عاما، المنهاج الذي فرضته "الإدارة الذاتية". وتقول "محمد" التي تعلّم حاليا في مدرسة "زكي أرسوزي" التابعة للنظام السوري في مدينة القامشلي، إنها انتقلت من مدرسة إلى أخرى نتيجة فرض المنهاج الجديد على المدارس.

وفيما تعتبر إحدى معلمات الصف الخامس في مدرسة "ناظم الطبقجلي" بمدينة المالكية، متحفظة عن نشر اسمها، أن تعلم الطفل بلغته الأم وفي صف أو مدرسة من قومية واحدة لن يتسبب بمشكلة في التواصل بين الأطفال من قوميات مختلفة. ترى مدرسة الصف السادس الابتدائي في مدرسة "الطليعة"، سهام سليمان، أن تدريس الأطفال كل بلغته القومية سيتسبب بـ"تفكك العلاقات الاجتماعية بينهم"، مشيرة إلى أهمية وجود لغة مشتركة للمجتمع.

أما المدرس المتقاعد أمين علي، الذي عاد ليعلّم منذ عام في مدرسة قرية أم ربيع طلاباَ من القومية العربية، يصف تعليم كل مكون بلغته القومية أمراَ "إيجابيا". لكنه يؤكد أن منهاج "الإدارة" بحاجة للتطوير ولدراسة "أكثر" من قبل مختصين في اللغة والطب النفسي للأطفال، معتبرا أنه سيؤثر سلبا على الجيل الحالي في مدينة القامشلي، باعتبارها تضم مجموعات عرقية مختلفة.

بدوره، أوضح الأستاذ الجامعي السابق وحامل شهادة الدكتوراة في اللغة العربية فريد سعدون لـ"سمارت"، أن السياسة التعليمية التي تنتهجها "الإدارة الذاتية" وفرضها تعلم كل مكون بلغته الأم، يؤسس لـ"التفرقة والانعزال"، حيث سيكون لكل مكون قومي مدارسه الخاصة التي سيدرس فيها حسب لغته وثقافته، "ما سينتج مجتمعات مغلقة ضمن المجتمع الواحد".

وفيما يؤكد "سعدون" أن التعلم باللغة الأم "حق مشروع"، يشير إلى سلبيات تطبيق المنهاج الجديد المتمثلة في "التسرع" بتنفيذ القرار وفرضه بشكل قسري على المجتمع، وصياغة المنهاج "وفق أفكار الإدارة الذاتية"، مع إلغاء النظام التعليمي القائم سابقا، موضحا أن المناهج الدراسية يتوجب وضعها من قبل لجان من الخبراء التربويين والمختصين في كافة فروع العلم والمعرفة، مع ضرورة ابتعادها عن "المؤثرات الإيديولوجية والفلسفات الثورية".

كيف يرى الأهالي المنهاج الذي يدرسه أبنائهم؟

يرى أحد سكان مدينة المالكية كنعان ابراهيم، أن تعلم ابنته البالغة من العمر تسع سنوات بلغتها الأم الكردية "حق"، رغم وصفه مستوى التعليم بـ"لا بأس به" والمنهاج بأنه "لا يلبي كل الطموحات". وأشار "ابراهيم" أن الصف الذي تتعلم فيه ابنته يضم أطفالا من قوميتها فقط.

كذلك تؤكد "أم هاشم" إحدى سكان قرية صحية الغمر، أن مستوى التعليم الذي يتلقاه طفلها ذو السنوات السبعة "وسط"، نتيجة بطء سير العملية التعليمية وكثرة العطل. ابن "أم هاشم" يتعلم بلغته الأم العربية بين أقرانه من القومية ذاتها، لكنها تؤكد رغبتها بتعليم ابنها لغات أجنبية وعدم رغبتها تعليمه منهاج "الإدارة الذاتية"، متخوفة من آثاره السلبية على مستقبل طفلها وعلاقاته الاجتماعية وحياته المهنية.

المدرسة ريما محمد ترجع رفضها تعليم أطفالها وفق هذا المنهاج، لدراستهم منذ الصغر باللغة العربية وصعوبة تعليمهم بلغة أخرى، إضافة إلى "عدم تخصص" الكادر التدريسي حسب وصفها.

إغلاق واقتحام مدارس وتهديد بفصل معلمين

مع تباين ردود الفعل المجتمعية حول قرار تطبيق المنهاج الجديد والسياسة التعليمية التي تنتهجها "الإدارة"، سجل شهر تشرين الأول 2016، اقتحام قوات"الأسايش" التابعة للأخيرة مدرسة "السريان" الابتدائية، ومنع أفراد من كادر المجمع التربويالتابع لـ"الإدارة" طلابا أكراد من التعلم في مدرسة سريانية بمدينة المالكية. في شهر تشرين الثاني من العام ذاته، أغلقت "الإدارة" مدرسة "مناهل البر الخاصة" بدعوى "عدم امتلاك ترخيص"، فيما اعتبرت والدةأحد طلاب المدرسة أن الإغلاق جاء نتيجة رفض المدرسة تدريس المنهاج الجديد.

إلى جانب ذلك، أعربت "الإدارة" عن نيتها منع المدرسين والمدراءالرافضين لتدريس منهاجها الدخول إلى مدارس في مناطق سيطرتها بمدينة الحسكة. كذلك أمهلت المعلمين الممتنعينعن التدريس في المدارس التابعة لها أسبوعا للالتحاق بعملهم أو يفصلون، حسب ما كشف مصدر خاص من "هيئة التربية" في تصريح سابق لـ"سمارت".

ركّز حزب "البعث" والنظام السوري الحاكمين لسوريا منذ أكثر من أربعين عاما تحت شعار "أمة عربية واحدة"، على تكريس اللغة والقومية العربية، وتجاهل حقوق المكونات السورية العرقية الأخرى بالحفاظ على لغاتها وثقافاتها، أو حتى بإدارج هذه اللغات ضمن النظام التعليمي للبلاد بحيث يصبح تعلمها متاحا لكافة السوريين. لكن توجه "الإدارة الذاتية" الكردية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، إلى فرض تعليم كل مكون بلغته، قد لا يكون شكلا أفضل في ظل مخاوف من آثاره السلبية على الجيل الحالي من حيث صعوبات التواصل بين الأطفال والمستوى العلمي والتعليمي المقدّم.

الاخبار المتعلقة

تحرير هيفا حداد🕔تم النشر بتاريخ 12 تشرين الأول، 2017 23:02:14 تقرير موضوعياجتماعيفن وثقافةثقافة
التقرير السابق
تضاعف إيجار المنازل في مدينة إدلب بين الشكاوى وغياب الرقابة
التقرير التالي
وصول 35 ألف نازح من ديرالزور إلى الحسكة