الحسكة من "محافظة المحاصيل السورية" إلى كيلو بندورة بـ 1200 ليرة إن وجدت

 

كتب الشاعر المصري أحمد فؤاد نجم بعد هزيمة حرب عام 1967 من القرن المنصرم، قصيدة ما زالت تلهم الثوريين حتى يومنا هذا بعنوان "بقرة حاحا" يرثي بها البقرة المعطاء "مصر"، ونهايتها بالسقوط في البئر بسبب الفساد والسرقة، ولتشابه المآسي والويلات بين شعوب الدول العربية، يمكن لأبناء محافظة الحسكة (سلة الغذاء السورية) الاستماع إلى القصيدة بصوت "الشيخ إمام" وهم يتسوقون كيلو بندورة بسعر 1,200 ليرة سورية، لمن استطاع إليها سبيلاً أو عثر عليها.

فالحسكة أو (محافظة المحاصيل الاستراتيجية) لا تدخلها شحنات البندورة وباقي الخضار الأخرى نتيجة إغلاق معبر "سيمالكا" منذ 19 آذار الماضي، والذي يربط المحافظة (منطقة المالكية) مع إقليم "كردستان العراق"، كما توقف دخول شحنات الخضراوات من منطقة مبركة بريف رأس العين (مكان تجميع البضائع من المحافظات السورية)، بحسب ما أكد تجار في المحافظة لوكالة "سمارت".

كيلو البندورة بـ"يومية" عامل!!

"أبو سلمان" أحد سكان حي حلو بمدينة القامشلي، قال بامتعاض لـ"سمارت"، "البندورة من يومين مفقودة بالسوق وإن وجدت فسعرها ألف ليرة"، مضيفاً بتهكم "أجرة العامل لا تزيد باليوم عن ألف ليرة يعني أنه يستطيع شراء كيلو بندورة، وربما لا يمكنه ذلك".

أحد الباعة يلقب بـ"أبو عدي" قال لـ "سمارت" "سعر البندورة وصل إلى 950 ليرة سورية في سوق الجملة، وهو ما يفوق قدرتنا على شرائه لأنه علينا بيعه من ألف إلى ألف ومئة ليرة ليرة سورية".

قصة فقدان البندورة..

"أبو آلان" تاجر خضار وفواكه في سوق القامشلي المركزي منذ 28 عاماً، أوضح لـ "سمارت" إن "هناك انقطاع لعدد من المواد في مدينة القامشلي، على سبيل المثال الفليفلة الخضرة منذ عشرين يوماً، والليمون والبندورة منذ ثلاثة أيام مفقودة، وجميع الخضروات والمواد التي تعتمد عليها المحافظة من الداخل السوري".

وتابع أبو "آلان"  إن "سعر البندورة وصل إلى 700 ليرة سورية، ولكن الباعة التي كانت موجودة لديهم قاموا ببيعها في اليومين الماضين بأكثر من ألف ليرة سورية، وأن هناك من باعها بـ 1,200 ليرة سورية، إلا أنها الآن مفقودة تماماً في المدينة".

وشرح "أبو آلان" أن قصة فقدان البندورة بدأت بعد خلاف بين التجار و"هيئة التموين التابعة للإدارة الذاتية"، حيث كان الأول يبيع كيلو البندورة بـ 600 ليرة بينما طلب منهم الثاني بيعها بـ 500 ليرة، ولكنهم رفضوا معللين السبب أن تجار سوق الهال الكبير بالقامشلي رفعوا الأسعار.

وأضاف "أبو آلان" "هيئة التموين راجعت التجار والمستوردين في سوق الهال الكبير بالقامشلي فكان رد التجار أن سبب إرتفاع الأسعار هو طول الطريق وزيادة التكاليف لحين وصولها إلى المنطقة، إلا أن هيئة التموين أصرت على إلزام التجار بيع المواد وفق أسعارها، فاتفق التجار على عدم توريد أي مادة، حيث لم تدخل أي شاحنة خضار إلى المنطقة اليوم (14 نيسان 2016)".

محاولات للحلول..

منظمة "شار" للتنمية في محافظة الحسكة أطلقت مشروع (أفدان) محاولةً منها لتغيير ثقافة الاعتماد على المحاصيل الكلاسيكية (القمح الشعير والحبوب، القطن) ومن ثم التوجه نحو "الاستثمار بمشاريع أكثر ربحاً من الناحية الاقتصادية وقادرة على تلبية احتياجات المنطقة من الخضروات والفواكه، وبخاصة في فصل الشتاء، إلى جانب إثبات خطأ ما يتم إشاعته بعدم إمكانية نجاح مشارع مثل البيوت البلاستيكية في منطقتنا"، بحسب المشرفين عليها.

وطرحت "المنظمة" مشروع (أفدان) وبدعم من "المنظمة الدولية للإغاثة والتنمية"، من خلال حصولهم على منحة من تلك المنظمة.

وقال مدير مشروع الزراعة المحمية والبيوت البلاستيكية أسامة حج قاسم إن "المشروع تنموي ويهدف إلى إيجاد نموذج للزراعة الناجحة في المنطقة، كون المحافظة تستورد أغلب احتياجاتها من الخضار والفواكه وخاصة في فصل الشتاء من الداخل السوري"، مضيفاً "نحن كمنظمة نسعى لإنجاح هذه التجربة وبالتالي تعميمها على المنطقة بحيث يمكن الاستفادة من هذه التجربة وبالتالي وتعميمها ، للمساهمة في تلبية حاجات المنطقة".

وأشار "حج قاسم" إلى أنه "بسبب ظروف الحرب في سوريا فإن وصول الخضار إلى محافظة الحسكة يعد صعباً بسبب كثرة والحواجز المنتشرة بين محافظات سوريا المختلفة، إضافة إلى التكاليف الكبيرة".

تكلفة "أفدان" بالأرقام..

لفت مدير المشروع أسامة حج قاسم إلى أن "مشروعهم الحالي يعمل فيه 12 شخصاً خمس عاملات وثمان موظفين ثابتين، حيث تم توفير فرصة عمل لهم على مدار تسعة أشهر".

ونوّه "حج قاسم" إلى أن "منظمة شار للتنمية وكجزء من مشروعهم مستعدون لتقديم خبرتهم والإستشارة للمزارعين الذين يريدون الاستثمار في مثل هذه المشاريع الزراعية من خلال تقديم الخبرات والطريقة والإشراف من قبل مهندسيها".

وشرح "المدير" أن تكلفة المشروع تقسم إلى "ثابتة وتشمل البيوت البلاستيكية والحراقات والمولدة والأنابيب الممددة لتوصيل مياه الري بالتنقيط، بينما التكاليف المتحركة فهي المازوت، أجرة العمال والموظفين، البذار، السماد، المبيدات الحشرية".

وتبلغ تكلفة المشروع بالسنة الأولى أربعة آلاف دولار أميركي خلال السنة الأولى إذ تشمل على 2,500 دولار كتجهيزات البيت والحراقات للتدفئة بالشتاء والمولدة، و1,500 دولار من أجل الأيدي العاملة والمبيدات وغيرها".

إنتاجية مشروع "أفدان"..

أوضح المهندس المشرف على مشروع "أفدان" جوان درويش أنه "تم إنشاء خمسة بيوت بلاستيكية مساحة كل بيت 8 أمتار بطول 50 متراً، ومزروع داخل كل بيت نحو ألف نبتة بندورة بمسافة 40 سم متر بين الواحدة والأخرى"، مقدراً "العمر الافتراضي للشتلة إلى العمر الإنتاجي (بداية الإنتاج) 90 يوماً".

وتوقع "درويش" أن "ينتج كل بيت بلاستيكي بالحجم الذي تم ذكره من (8- 12) طن من البندورة، لافتاً إلى أن "أرض المنطقة (محافظة الحسكة ) يساعد كثيراً على نجاح هذه التجربة والمشاريع الاستثمارية، إلا أنه نبّه إلى ضرورة كيفية التعامل مع الظروف المناخية كانخفاض درجات الحرارة وإرتفاعها من أجل نجاح مثل هذه المشاريع".

عوائق المشروع..

"المهندس المشرف" لفت إلى أنهم "يواجهون مشاكل عدة في عملهم، فالأسمدة والمبيدات الحشرية التي يستخدمونها حالياً والمتوفرة بالأسواق غير جيدة وأغلبها صيني (المنشأ) ، لعدم توفر أسمدة ومبيدات ذات جودة عالية"، معتبراً أنها "من المشاكل الكبيرة التي يعانون منها".

وحذر "جوان درويش" من أنه "في هذه الأوقات (من السنة) يبدأ النشاط الحشري مع بداية تقلب الفصل ودفء الأجواء وهو ما يتطلب توفر مبيدات حشرية ذات فعالية كبيرة لمكافحة الأنواع التي تؤثر على محصول البندورة في البيوت البلاستيكية".

وتابع "درويش" بالمشاكل بأن "عدم قدرتهم على توفير أصناف جيدة (شتل) للبندورة، إضطررنا لإستيراد أصناف هجينة من محافظة طرطوس وإن كانت تعتبر جيدة إلى حد ما".

"من أجل تغطية المحافظة لا بد من التوسع في تبني مثل هذا المشروع وخاصة في فصل الشتاء لتغطية حاجات المنطقة من الخضار كالبندورة والخيار وغيرها من الأصناف، ونتمنى أن يتم تعميم مثل هذه المشاريع في المحافظة بحيث تستطيع مستقبلاً الإستغناء عن إستيراد تلك المنتجات من الداخل السوري وتقديمها بأسعار وتكاليف أقل للمواطنين"، بحسب "مدير المشروع أسامة حج قاسم".

ماهو معبر "سيمالكا"؟.. ولماذا يغلق باستمرار؟

"سيمالكا" هو معبر غير رسمي بين محافظة الحسكة السورية وإقليم "كردستان العراق" إذ يعتبر شريان الحياة للمناطق الخاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية" الكردية في سوريا، حيث بدأ العمل به عام 2012 لاستقبال اللاجيئن والحالات الإنسانية وإدخال المساعدات، بالإضافة للتجارة، بعد إغلاق كافة المعابر من الجانب التركي (معبر نصيبين بالقامشلي، معبر الدرباسية)، بالإضافة إلى سيطرت تنظيم الدولة على الطرق الواصلة بين محافظة الحسكة والمحافظات السورية الأخرى بعد سيطرته على محافظتي الرقة ودير الزور.

ويتحكم بالمعبر الحزب "الديمقراطي الكردستاني" من جانب إقليم "كردستان العراق" والذي لديه خلافات كبيرة مع حزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي (PYD)، والذي يسيطر بواسطة "الإدارة الذاتية" على الجانب السوري من المعبر، وهو الأمر الذي يتسبب بإغلاقه بين الجانبين بين الحين والآخر، بحسب ما قال مسؤولين في "الإدارة الذاتية" لـ "سمارت"، رفضوا الكشف عن اسمهم.

"رشاوى" و"أتاوات" و"جمارك!" لوصول الشاحنات إلى منطقة "مبروكة"..

"مبروكة" منطقة تقع غرب مدينة الحسكة وجنوب رأس العين، عند الحدود للإدارية للمحافظة مع جارتها الرقة، حيث يتم فحص وتفتيش البضائع بما فيها الخضار والفواكه القادمة من المحافظات السورية، من قبل قوات الأمن التابعة لـ "الإدارية الذاتية" المدعوة بـ "الأسايش"، كما تقوم بأخذ ما يسمى "ضريبة جمرك" بقيمة 600 ليرة سورية لكل طن مواد، بحسب مسؤولين بالإدارة، ولكن هذه الشاحنات تخضع لـ"أتاوات" في مناطق سيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية"، كما أن حواجز النظام تأخذ "رشاوى" على السيارات، بحسب تجار في الحسكة.

استخدام كلمة "جمارك" خلال الحديث عن النقل بين المحافظات السورية ربما يثير استغراب الكثيرين ولكن هو الواقع الحالي لما وصلت إليه الخارطة السورية في ظل أكثر من خمس سنوات من الثورة السورية، والتي تسلق عليها الكثير من التجار وأمراء الحرب، الأمر الذي أدى بأهالي "سلة الغذاء السورية" للبحث عن كيلوغرام من البندورة دون أن يجدوه، بحسب ما شرح أهالي من الحسكة لـ"سمارت" معاناتهم. 

الاخبار المتعلقة

التقرير السابق
أهالي الحولة يخلقون فرص عمل من تدوير المواد البلاستيكية إلى تدوير ركام المنازل
التقرير التالي
آخر معاقل المعارضة بمدينة حمص محاصر من جديد