نبع عين الفيجة.. سلاح بيد الفصائل مع "وقف التنفيذ" وقصف للنظام يصيبه بتصدعات

اعداد سعيد غزّول, عبدو الفضل | تحرير محمد عماد 🕔 تم النشر بتاريخ : 23 أكتوبر، 2016 10:40:10 ص تقرير موضوعي عسكري الحصار

في مطلع عام 2012، سيطرت فصائل من الجيش الحر على معظم منطقة وادي بردى في ريف دمشق الغربي، والتي تعد شريان الحياة للعاصمة دمشق نظراً لتواجد منابع المياه فيها أهمها: "نبع الفيجة"، الأمر الذي دفع قوات النظام إلى تشديد قبضتها على المنطقة، كونها أحد أهم الممرات من دمشق إلى مواقع قتالها مع الفصائل في القلمون الغربي المتاخمة للحدود السورية - اللبنانية، والتي تشهد حضوراً كبيراً لميليشيا "حزب الله" اللبناني، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011.

مرة أخرى، تطفو منطقة وادي بردى وبشكل خاص "عين الفيجة" إلى واجهة الأحداث بريف دمشق، في ظل اتفاقيات الصلح والهدن التي يبرمها النظام في مناطق مجاورة، أدت لتهجير سكانها، آخرها كان اتفاق "تهجير" سكان بلدة المعضمية، وسكان مدينة قدسيا وبلدة الهامة الخاصرة الجنوبية الشرقية للوادي، إضافةً لسيطرة قوات النظام في أواخر تموز الماضي، على بلدة هريرة شمال غربي عين الفيجة، لتعود الفصائل العسكرية في المنطقة، للتلويح باستخدام "سلاح المياه" دون أن تستخدمه، كأداة وحيدة للدفاع عن ما تبقى من بلدات الوادي، أمام قصف النظام وحملاته العسكرية.

سلاح المياه" (أي قطع مياه نبع الفيجة عن العاصمة دمشق) الذي لوّحت الفصائل باستخدامه منذ أول محاولة لاقتحام منطقة الوادي واستهدافها بالقصف الجوي والمدفعي، إضافة لإقامتها حواجز ونقاط تفتيش على كافة مداخل المنطقة، واعتقالها العديد من المدنيين، دفع بالنظام مضطراً إزاء هذا السلاح للتفاوض مع الفصائل، وفق مبدأ "أمن الوادي مقابل أمن دمشق المائي"، وسط خروقات لا تزال مستمرة من قبل قواته.


"راجحة" و"شوكت".. أول المتفقين مع الفصائل

نائب "المجلس العسكري لدمشق وريفها" ويدعى "أبو حمزة" قال في تصريح إلى "سمارت"، إن أول اتفاق في منطقة وادي بردى، عُقد مطلع شهر شباط عام 2012 (بعد أيام من سيطرة الفصائل على المنطقة)، بين أهالي وفصائل الوادي ممثلين باللواء المتقاعد أحمد غضاب، من أبناء بلدة عين الفيجة، وبين وزير دفاع النظام السابق داوود راجحة ونائبه آصف شوكت (قبل أن يقتلا بتفجير مبنى الأمن القومي أو ما يعرف بإدارة خلية الأزمة في 18 من شهر تموز 2012 مع آخرين من كبار مسؤولي النظام(.

وأضاف "أبو حمزة"، أن بنود الاتفاق الذي توصل إليه الطرفان هي: وقف جميع الأعمال القتالية بين الطرفين، فتح جميع الطرقات والمعابر الإنسانية في منطقة وادي بردى، إنهاء الحصار المفروض على بلدات وقرى الوادي، وإطلاق سراح جميع المعتقلين وخاصة النساء من سجون النظام، مقابل ضخ المياه إلى مدينة دمشق وفق الشروط الصحية المطلوبة".


تصدعات في "النبع" نتيجة القصف تظهر آثاره بالعاصمة

التزم الطرفان بحسب "أبو حمزة" بالاتفاق المذكور أعلاه، لمدة عام وبضعة أشهر، قبل أن تبدأ قوات النظام، دون أسباب واضحة، باستهداف قرى وبلدات منطقة وادي بردى بقذائف المدفعية الثقيلة، وعشرات البراميل المتفجرة، وعمليات القنص، تزامناً مع إغلاق جميع الطرق المؤدية للوادي، واعتقال عشرات المدنيين على حواجزها المحيطة، إضافةً لفرض حصار خانق على المنطقة، ومنع دخول أي نوع من المساعدات إليها، الأمر الذي دفع الفصائل العسكرية من جديد، إلى استخدام "سلاح المياه"، وتخفيف تدفقها باتجاه العاصمة دمشق.

وسبق أن صرّح لـ"سمارت" في مطلع كانون الثاني عام 2014، أحد القادة العسكريين في "غرفة عمليات وادي بردى"، أن الفصائل العسكرية فرضت شروطاً على قوات النظام بخصوص "الهدنة" المقترح تطبيقها في منطقة الوادي، حيث اشترطت عليها البدء بإصلاح خطوط المياه الواصلة إلى دمشق، ووقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلات وعددهن 36 من أهالي القلمون ووادي بردى والغوطة الغربية، إلا أن النظام لم يستجب بشكل كامل لشروط الهدنة، وخاصة بما يخص المعتقلات اللواتي أفرج عن بعضهن فقط، الأمر الذي دفع الفصائل حينها، لتقليل ضح المياه لدمشق، ليعود النظام ويعد بتنفيذ كامل شروط الاتفاق، التي لا يزال يُماطل فيها حتى الآن.

القصف المستمر على منطقة الوادي وخاصة (نبع عين الفيجة)، أدى إلى تصدّعات داخل الأرض وتسرب المياه إلى جوفها، إضافةً لتسرب مواد سامة و"مؤكسدة" إلى مياه النبع (نتيجة المواد الكيميائية الناتجة عن القصف ببراميل محملة بـ"الكبريت، والفوسفور، والرصاص")، حسب تقارير صادرة عن مخابر طبية في المنطقة، فيما أشار مصدر طبي، لـ"سمارت"، إلى أنه أثناء فحص عينات من مياه النبع، تأكد وجود مواد "مؤكسدة" وأخرى "ملوثة"، موضحاً تغيّر لون وطعم المياه، وظهور حالات مرضية داخل العاصمة دمشق كـ"الارتباك المعوي، والإسهال، والتسمم"، إضافةً لانتشار أمراض مماثلة وأخرى جديدة في منطقة الوادي.

وتحدّث في تصريح خاص إلى "سمارت" حول الأمراض في منطقة الوادي، نائب "المجلس العسكري لدمشق وريفها"، "أبو حمزة"، وهو طبيب ميداني في المنطقة قائلاً: إن وادي بردى يشهد انتشار لـ فايروس "متلازمة جيلان باريه" الذي قد يسبب "الشلل"، لافتاً إلى أن شخصاً واحداً توفي نتيجة إصابته بهذا "الفايروس"، فيما أصيب 25 آخرون بينهم طفل، وأن "الفايروس" ناتج عن القصف بأسلحة "كيماوية"، فيما استبعد رئيس "الهيئة الطبية" في وادي بردى، الدكتور حسام رجب، ذلك قائلاً: إن انتشار هذا الفايروس يعود لاستخدام "المبيدات الحشرية"، وفقاً لقوله.

من جهةٍ أخرى، لفت "أبو حمزة"، إلى أن اللجنة المختصة بإدارة نبع عين الفيجة، أرسلت تقارير للمؤسسة العامة للمياه التابعة لـ"حكومة النظام" شرحت فيها الوضع الصحي لمياه النبع، وتأثير القصف المستمر عليها، إلا أن "مؤسسة النظام" نسبت ذلك إلى تعطّل أجهزة النبع، وأرسلت طاقم من المهندسين والفنيين لنقل الأجهزة إلى دمشق وإصلاحها بعد التنسيق مع "لجنة التفاوض"، وعادت الأجهزة بعد نحو شهرين عقب إصلاحها، إلا أن لجنة النبع، أكّدت عدم ملاحظة أي تغيّر في حالة المياه.

وحول فرق الصيانة وكيفية دخولها إلى وادي بردى، قال "أبو حمزة"، إن فرق الصيانة وسيارات "الكلور السائل" تدخل إلى منطقة الوادي بالتنسيق مع "لجنة المفاوضات" المؤلفة من مدنيي قرى وبلدات المنطقة، وليس عن طريق الفصائل العسكرية، مؤكداً أن الأخيرة تنأى بنفسها عن التدخل في هذا الأمر من أجل المصلحة العامة لسكان الوادي. 

يشار إلى أن خط مياه بردى، تعرض لانفجارات كثيرة آخرها في شهر شباط الماضي، وفي كل مرة تدخل ورشات الصيانة بموجب "هدنة" بين قوات النظام والفصائل العسكرية العاملة في منطقة الوادي، إلا أن الورشات تُصلح خط مياه بشكل "غير محكم"، حسب ما صرّح لـ"سمارت" مدير الهيئة الإعلامية في وادي بردى "أبو محمد البرداوي"، الذي أضاف، أن الأهالي تناشد في كل مرة إصلاح خط المياه ولكن دون جدوى، ليصاب بقصفٍ جديد، وتبدأ المفاوضات على إصلاحه ودخول ورشات الصيانة من قبل "مؤسسة المياه والصرف الصحي" التابعة لـ"حكومة النظام".


حصار جديد منع دخول مواد معقمة ينتهي باتفاق آخر

فرضت قوات النظام مطلع العام الجاري حصاراً كاملاً لمدة أربعة أشهر، على قرى وبلدات الوادي الواقعة تحت سيطرة الفصائل العسكرية من الجيش الحر وكتائب إسلامية، حيث منعت خلاله إدخال الأدوية والمواد المعقّمة للمياه، وذلك بهدف الضغط على الأهالي لعقد "تسويات" و"مصالحات" معه، إلا أنه أخفق في ذلك، نتيجة رفض الأهالي لـ"المصالحة" بشكل قاطع، كما فشلت محاولات مماثلة للنظام يفرض "مصالحة وطنية" في شهر آب العام الماضي، حسب ما أكّد لـ"سمارت" حينها، مدير الهيئة الإعلامية في وادي بردى "أبو محمد البرداوي".

ورغم حصار النظام لمنطقة الوادي، أشار "أبو حمزة"، إلى أن الفصائل العسكرية لم تقطع المياه عن العاصمة دمشق، ولم تخفّف منها خلال تلك الفترة، منوهاً في الوقتِ عينه، أنه عندما يكثّف النظام من قصفه الجوي والمدفعي، ويحاول اقتحام المنطقة، تضطر الفصائل لاستخدام "سلاح المياه"، للضغط على النظام بهدف وقفِ عدوانه، وقصفه، وأن الفصائل تستعمل سلاح قطع المياه استجابةً لمطالب أهالي منطقة الوادي الذين يتعرضون للقصف بشكل يومي، حيث ذكّر "مركز وادي بردى"، النظام بمبدأ "أمن دمشق المائي"، وذلك على خلفية القصف الصاروخي لقوات النظام على قرية كفر العواميد في المنطقة، والذي أسفر عن وقوع ضحايا مدنيين. 

في العاشر من شهر تشرين الأول الجاري، كشفت مصادر محلية في منطقة وادي بردى لـ"سمارت"، عن اتفاق عُقد بين قوات النظام ولجنة من أهالي المنطقة، يقضي بوقف القصف وعودة الأهالي إليها، مقابل ضخ المياه إلى دمشق، مشيرةً أن بنود الاتفاق نصت على التالي: "عودة أهالي وادي بردى إلى منازلهم بما فيهم أهالي قريتي إفرة وهريرة وعودة الحياة إلى طبيعتها، وقف القصف وعمليات القنص من قبل النظام، مقابل السماح لورشات الإصلاح القيام بعملها للبدء بضخ مياه نبع الفيجة إلى دمشق (والتي دخلت قبل أيام باتفاق جديد، نتيجة تصدع خط مياه بردى الناتج عن القصف)"، كما نص على ألا تتعرض حواجز قوات النظام للأهالي العائدين إلى الوادي، وأن تسهّل إدخال المواد الضرورية، وعدم مصادرة الأدوية، إضافةً لتوفير الحليب للأطفال.

 

محاولات متجددة لدخول الوادي

عقب سيطرة قوات النظام وميليشيا "حزب الله" اللبناني، في أواخر تموز الماضي، على بلدة هريرة المجاورة لبلدة مضايا في منطقة الزبداني المحاصرتين بدورهما منذ أكثر من عام، يحاول النظام التقدم إلى قرية إفرة القريبة شرقي هريرة، بهدف فصل منطقتي وداي بردى والقلمون الغربي عن بعضهما، فضلاً عن نية محتملة للنظام تهدف إلى انتزاع "نبع الفيجة" من يد الفصائل، كي لا تبقى المياه سلاحاً بيدها تمنعه كل مرة في التقدم عسكرياً بمنطقة الوادي، إلاّ أن البدء في هذه النية وفشلها في حال التحرك، ربما يدفع الفصائل لاستخدام سلاح المياه مرةً أخرى، الأمر الذي سيدفع النظام أيضاً إلى البحث عن "هدن" من جديد.

ولكن إصرار قوات النظام على خرق كل الاتفاقات في منطقة الوادي، وإحكامه الحصار عليها بشكل تام، فضلاً عن انقطاع كافة طرق الإمداد العسكري للفصائل المتواجدة في المنطقة، والتي لا تملك غير "سلاح المياه"، قد يدفع النظام في كل مرة، تكثيف قصفه بكافة أنواع الأسلحة والتقدم عقبها، ليجبر الفصائل وأهالي المنطقة في نهاية المطاف، الرضوخ إلى "التسويات" أو "التهجير"، كما فعل في كثير من المناطق السورية، وعلى وجه الخصوص مدن وبلدات الغوطة الغربية المجاورة لوادي بردى.

منطقة وادي بردى، والتي تضم فصائل عسكرية من الجيش الحر وكتائب إسلامية أبرزها: "جبهة فتح الشام (النصرة سابقاً)"، و"حركة أحرار الشام" الإسلامية، و"لواء أبدال الشام"، تسيطر الفصائل فيها على بلدات وقرى: "عين الفيجة، وعين الخضرة، وبسيمة، ودير مقرن، وكفير الزيت، وإفرة، ودير قانون، والحسينية، وكفر العواميد، وبرهليا، وسوق وادي بردى"، ويقدّر عدد قاطنيها بنحو 125 ألف نسمة، يعيشون ظروفاً إنسانية صعبة للغاية.

الاخبار المتعلقة

اعداد سعيد غزّول, عبدو الفضل | تحرير محمد عماد 🕔 تم النشر بتاريخ : 23 أكتوبر، 2016 10:40:10 ص تقرير موضوعي عسكري الحصار
التقرير السابق
قصف "ممنهج" لروسيا والنظام على المشافي الميدانية وخروج أغلبها عن الخدمة
التقرير التالي
التهجير سياسة ممنهجة يتبعها النظام في معظم المناطق السورية