تسرب الأطفال من مدارس الغوطة الشرقية بين قصف النظام والعوز المادي

اعداد هبة دباس | تحرير محمد عماد 🕔 تم النشر بتاريخ : 8 نوفمبر، 2016 10:48:22 ص تقرير موضوعي اجتماعيفن وثقافة ثقافة

"أن تعيش ابنتي دون تعليم، أفضل من الموت بالقصف"، هذا ما قلته "أم عمر" التي آثرت عدم تلقي طفلتها الوحيدة للتعليم على أن تخسرها في قصف للنظام، الذي دأب على استهداف المدارس في مختلف مناطق سوريا ومنها الغوطة الشرقية.

ورغم ظروف تلقي التعليم الصعبة، من غياب للكوادر والمنشآت الملائمة، إلا أن قرارات الأهالي حول استكمال تعليم أطفالهم تأتي وفقا لظروف الأمن والوضع المادي بشكل أساسي، ما أدى لانتشار ظاهرة تسرب الأطفال.

القصف والفقر أبرز الأسباب

يرى مدير مكتب التربية في مدينة دوما، ياسر برخش، خلال حديث لـ"سمارت"، أن القصف و"حالة الحرب المستمرة" سببان رئيسيان لتسرب الأطفال، يضاف إليهما العوز المادي والنزوح القسري المسيطر على معظم قاطني الغوطة الشرقية.

ويؤيد "برخش" إحدى الأمهات بقولها إن "دمار مدرسة الحي كان السبب بتسرب أطفالها"، إذ لا يكمن وفق "برخش" أن "يسير الطفل مسافة نصف ساعة للوصول لمدرسة أخرى، مع احتمال تعرض المنطقة للقصف في أي لحظة".

من جهته، اعتبر مدير إحدى المدارس الابتدائية في الغوطة، فضل عدم كشف اسمه، خلال حديث لـ"سمارت"، إن "البيئة والعادات الموروثة والطبقة الاجتماعية تلعب دوراً أساسياً في تسرب الأطفال لا سيما الإناث، فعلى سبيل المثال أهالي بعض المناطق يرون أنه من المعيب أن تذهب الفتاة للمدرسة بعد إنهاء المرحلة الابتدائية، ليأتي بعد ذلك القصف والفقر سبباً إضافيا".

وتتفاوت وجهات أولياء أمور الأطفال، الذين استطلعت "سمارت" آراؤهم،  فبعضهم يعزو الظاهرة للفقر الشديد، فيما يرى آخرون أن السبب هو انعدام الأمان وتكرار استهداف المدارس من قبل النظام.


عمالة الذكور وزواج الإناث.. نتائج "أولية" للتسرب

يترافق غياب آليات الرقابة وانعدام القوانين التي تحاسب أرباب العمل "المستغلين" لحاجة الأطفال وفقرهم، مع إرسال الوالدين أو أحدهما أطفالهما للعمل بهدف المساعدة في تغطية نفقات المعيشة، "فبدلاً من أن نرى الأطفال على مقاعد الدراسة، نراهم يزاولون أعمال مرهقة"، يقول مدير مكتب التربية في مدينة دوما، ياسر برخش.

التقت "سمارت" بحسام (16 عاماً)، وهو أحد الأطفال المتسربين، ويعمل بائع بسكويت جوال في مدينة دوما، ترك مدرسته منذ عام ليعين والده في تأمين متطلبات المعيشة، حيث قال: " كل يوم أرى أصدقائي وأسمعهم يتحدثون عن الوظائف (..) أشعر بغصة لعدم قدرتي الذهاب للمدرسة"، ويروّح حسام عن نفسه بالقول: "أعرف أنهم غير سعيدين، بسبب القصف اليومي الذي يؤدي لإغلاق المدارس".

ومع عودة ظاهرة "الزواج المبكر"، تترك الفتيات المدرسة في عمر 14 عاما، لتتزوج حيث تنشئ بدورها أسرة لا تقل معاناتها عن الواقع الذي تعيشه، في وقت يعتبر فيه إنهاء مرحلة التعليم الأساسية ونيل الشهادة الإعدادية أمراً إلزامياً في سوريا حتى اليوم.


ربط المساعدات بالتعليم أحد الحلول

عمدت مديرية التربية والتعليم للتنسيق مع المنظمات والجمعيات الإغاثية العاملة في الغوطة الشرقية، في محاولة لربط المساعدات الإغاثية بعملية التعليم، تشجيعاً للأهالي والأطفال على العودة للمدرسة، إذ ترسل المنظمات كتاباً للمدرسة تتأكد خلاله من التزام أطفال الأسر المسجلة لديها بالدوام المدرسي، لتستحق بذلك المساعدات الشهرية، وبحسب "برخش" فإن تعاون كبرى المؤسسات الإغاثية في مدينة دوما أدى لعودة أعداد كبيرة من الطلاب إلى المدرسة رغبة بالحصول على المساعدات.

ويوضح "برخش" أن تقديم دعم إغاثي بسيط من الأطعمة والقرطاسية للطلاب، ساهم بشكل ملحوظ في الحد من التسرب، كما جذب بعض الطلاب المنقطعين للعودة للمدرسة أيضاً، إضافة لتقديم برامج الدعم النفسي بالتعاون بين المديرية والمؤسسات ذات الصلة.

يضاف إلى ذلك، "جهود بسيطة من كوادر مستنزفة " تسعى لإطلاق حملات توعية بالتعاون والتنسيق بين مديرية التربية والفعاليات المدنيّة العاملة في المنطقة، من مجالس محلية وإعلاميين وإغاثيين، سعياً للحد من التسرب وعلاج أسبابه.

أما فيما يتعلق بالقصف وانعدام الأمان، فعمل المعنيون على نقل معظم المدارس للأقبية والملاجئ، كما تغيرت مواعيد الدوام عن الأوقات المعتادة، حسب ما أفاد مراسل "سمارت".

وتقول "أم سليم"، وهي والدة لأربعة أطفال، معبرة عن إصرارها على تعليم أطفالها: "مهما اشتدت الأمور في الغوطة، فإني أتوكل على الله وأرسل أولادي إلى المدرسة"، على عكس "أم زياد"، والدة لثلاث أطفال التي تقول: "أحب أن يتوجه أولادي الى المدرسة ولا أريد أن يتركوها، ولكن عندما يشتد القصف ليس لدي خيار آخر".

غياب الإحصائيات رغم حجم الظاهرة

وفقاً لوزير التربية والتعليم في الحكومة السورية "المؤقتة"، عماد برق، فإنهم لا يملكون بيانات جاهزة و إحصائيات دقيقة لأعداد الطلاب المتسربين من المدارس، كما ليس لديهم إحصائية حول أعداد الطلاب الملتزمين بالدوام الدراسي لهذا العام، مبررا ذلك بأن "جمع البيانات والإحصائيات يحتاج وقتاً للتواصل مع كل المدارس والمؤسسات التعليمية التي تملكها".

ويقدر أعداد الأطفال الملتحقين بمدارس الغوطة الشرقية في العام الدراسي الجاري بنحو 55 ألف طفل، ورغم عدم وجود إحصائية دقيقة لأعداد المتسربين، إلا أن "برخش" قدّر نسبة التسرب بين عموم أطفال الغوطة بالثلث، معظمهم من الذكور، موضحاً أنها في "تراجع".

ويوجد في الغوطة الشرقية 137 مدرسة عامة، ثلثها خارج الخدمة، يدعم عملها حاليا "الحكومة المؤقتة" ومنظمات ومؤسسات مجتمع مدني، فيما يوجد في مدينة دوما وحدها 45 مدرسة، يعمل منها 30، كما يعمل في عموم مدارس الغوطة، العامة منها والخاصة، 3500 معلم حالياً، 2800 منهم يعملون في المدارس العامة، بحسب مدير التربية، الذي أوضح أن عدد المعلمين غير كاف وأصحاب الخبرات بينهم قليلون نتيجة لظروف النزوح والاعتقال، أو بسبب مزاولتهم أعمالاً أخرى نظراً للأجور الزهيدة التي يتقاضونها.

وأضاف "برخش" بأن التسرب يبدأ من صف الأول الابتدائي، ويتصاعد تدريجيا بتقدم المرحلة التعليمية، ويبين أنه لمرحلة الأول الابتدائي في إحدى المدارس يوجد أربع صفوف، والثاني الابتدائي يوجد ثلاثة صفوف، لنصل لمرحلتي الخامس والسادس بصف واحدة فقط، مشيراً أن معظم الأطفال لا يبلغون الصف التاسع الإعدادي، ولا ينهون مرحلة التعليم الأساسي.

حقائق

تتعرض مدن وبلدات الغوطة الشرقية لقصف يومي من قوات النظام، تستهدف خلاله المدارس والمنشآت الحيوية بشكل متكرر، ما دفع مديرية التربية والتعليم فيها لتعليق عمل المدارس مرات عدة، وتنظيم وقفات صامتة للطلبة حداداً على مجاز ارتكبها النظام في بلدة دير العصافير ومدينة دوما وغيرها، راح ضحيتها عشرات المدنيين بينهم معلمون وطلاب.

الاخبار المتعلقة

اعداد هبة دباس | تحرير محمد عماد 🕔 تم النشر بتاريخ : 8 نوفمبر، 2016 10:48:22 ص تقرير موضوعي اجتماعيفن وثقافة ثقافة
التقرير السابق
اعتماد ريف حمص الشمالي على الحطب يهدد بالتصحر.. وارتفاع الأسعار مقارنة بالعام الماضي
التقرير التالي
خاص "سمارت": مخيم الركبان أزمة إنسانية وحلول معلّقة ووعود أممية