حلب: السقوط العسكري للمدينة وفصائلها

اعداد عبدو الفضل | تحرير هيفا حداد 🕔 تم النشر بتاريخ : 9 فبراير، 2017 9:52:40 م تقرير موضوعي عسكري قوات النظام السوري

يوم 12 كانون الأول 2016، وفي رقعة جغرافية لا تتجاوز ستة كليومترات، عشرات آلاف المدنيين والعسكريين محاصرون. المئات يقيمون في بناء واحد بظل قصف جوي روسي كثيف، وهجمات لقوات النظام على الأحياء القليلة المتبقية شرقي حلب، التي ما زالت خارج سيطرتها. المدنيون يرسلون مناشدات إلى العالم لوقف القصف وإنقاذ حياتهم، مع وجود جرحى بينهم، وفي ظل إحباط وتخوف من ارتكاب مجازر بحقهم، خاصة بعد تأكيد مصادر أهلية على إعدام تلك القوات والميليشيات المساندة لها لجرحى وممرضين داخل مركز طبي في حي الكلاسة بعد السيطرة عليه.

لحظات أو ساعات فصلت هؤلاء عن الموت، جعلت أصواتهم تسمع حول العالم لتحتل حلب نشرات الأخبار وتخرج مظاهرات في عواصم عدة ضمن مسعى أخير لدرءه عنهم.

 

19 يوما فصلت بين النظام وآخر سكان الأحياء الشرقية

أعلنت القيادة العسكرية لقوات النظام في مدينة حلب، يوم 22 أيلول 2016، بدءها عملية عسكرية على الأحياء الشرقية، ستتضمن حملة قصف يشنه سلاح الجو الروسي وقوات النظام، يليها “هجوم بري” حسب ما صرح مصدر عسكري في الأخيرة لوكالة “رويترز”. إلا أن النظام حضر لحملته قبل أشهر، حيث أحكمت قواته حصار الأحياء الشرقية وسكانها الـ300 ألف نسمة، بقطع طريق الكاستيلو شمالي حلب، ثم السيطرة على منطقة الراموسة جنوبا، المنفذان الرئيسيان لهذه الأحياء إلى خارج المدينة.

من 25 كانون الأول، بدء تقدم قوات النظام في حي مساكن هنانو شمالي شرقي حلب، حتى الـ12 منه يوم الحصار المذكور، عبارة عن 19 يوما استولت خلالها تلك القوات على الأحياء الشرقية واحدا تلو الآخر، بمساندة سلاح الجو الروسي الذي تسبب بمقتل وجرح مئات المدنيين. حيث وثق الدفاع المدني السوري عبر بيان أصدره في 28 تشرين الثاني، استهداف الأحياء بأكثر من ألفي غارة جوية، وسبعة آلاف قنبلة وقذيفة، معلنا إياها “منكوبة”.

وسمح استيلاء قوات النظام على حي مساكن هنانو، بالسيطرة على حي الصاخور ومحطة مياه “سليمان الحلبي” التي تمد المدينة بالمياه، كذلك منطقة البحوث العلمية، تزامنا مع شن “وحدات حماية الشعب” الكردية المتمركزة في حي الشيخ مقصود لهجمات استولت خلالها على معامل عين التل وأحياء الزيتونات وبستان الباشا والشيخ فارس والهلك الفوقاني والتحتاني، لتكون خطوة مهدت أمام النظام الطريق لإسقاط بقية الأحياء.

 

كيف سقطت الأحياء الشرقية وأكثر من 13 فصيل عسكري يتمركزون بها؟

قبل عرض الإجابات التي تمكنت “سمارت” من الحصول عليها في هذا الخصوص، سنقدم توضيحا لخريطة تموضع الفصائل العسكرية المسيطرة على الأحياء الممتدة من الجزء الشمالي والشمالي الشرقي لمدينة حلب، حتى جنوبها والجنوبي الشرقي. حيث كان حي مساكن هنانو تحت سيطرة “الجبهة الشامية” وكتائب “ثوار الشام” و”الفوج الأول” و”فيلق الشام”، وحيّا الأشرفية وبني زيد تحت سيطرة “الفرقة 16 مشاة”، أما أحياء سليمان الحلبي والهلك وسلطان باشا تحت سيطرة فصائل تركمانية، فيما  دوار الحلوانية وأحياء

الشعار وكرم البيك وطريق الباب وسد اللوز  تسيطر عليها “جبهة فتح الشام” وكتائب “أبو عمارة” وتجمع “ثوار الشرقية”. بينما دوار ي الصالحين وصلاح الدين فسيطر عليهما تجمع “فاستقم كما أمرت”، وحي صلاح الدين تحت سيطرة مشتركة من التجمع وحركة “نور الدين زنكي”،  اللذين تشاركا مع “فيلق الشام” السيطرة على حي العامرية، فيما شاركا “أحرار الشام”  السيطرة على حي الشيخ السعيد، التي بسطت بدورها سيطرة كاملة على حي السكري.

إلى حلب القديمة حيث كانت تحت سيطرة  لواء “أحرار سوريا” وكتائب “الصفوة الإسلامية” و”الفوج الأول”  و”أحرار الشام”، حسب ما أوضح مراسلنا في المدينة.

1-النظام يجد الثغرة في مساكن هنانو

قال المتحدث العسكري باسم “الجبهة الشامية”، العقيد محمد الأحمد، بتصريح إلى وكالة "سمارت"، إن قوات النظام بدأت هجومها على الأحياء الشرقية بمحاولات للتقدم على أكثر من محور “لاختبار أي المحاور يمكن من فتح ثغرة للانتشار بعدها”، حيث فشلت في عدة مناطق نتيجة “التحصين الجيد”، لتختار بعدها حي مساكن هنانو باعتباره “الأضعف لكبره”، وكون السيطرة عليه تمكن من “عزل المناطق والأحياء عن بعضها”، حسب وصفه.

بالمقابل قال قيادي عسكري مطلع رفض الكشف عن اسمه وصفته، إن “الجبهة الشامية أغرقت حيي مساكن هنانو وكرم الجبل بالنقاط الأمنية والحواجز والأمنيات الفاشلة، ولا يوجد لديهم أي استعداد عسكري لصد أي هجوم أو الصمود”، مضيفا “الكتائب التابعة للجبهة الشامية كانت على خلاف حاد مع باقي فصائل حلب فلم تطلب مؤازرات ولم يؤازرها أحد”. مرجعا ذلك إلى “عدم موافقة” الأولى على المشاركة في غرفة عمليات “فتح حلب”.

من جهته اعتبر قاضي التحقيق في المحكمة “الشرعية” بحلب، مكتفيا بذكر لقبه  “أبو الحكم” ، أن سقوط الأحياء “أمر متفق عليه”، موضحا أنه لدى هجوم النظام على حي مساكن هنانو “أخلت فصائل نقاطها”، فيما أرسلت فصائل صغيرة “كالمحكمة الشرعية” التابعة لـ”الجبهة الشامية” مقاتلين إلى الحي، واصفا الوضع حينها: “كان هناك مجموعات صغيرة، مؤازات وأسلحة ثقيلة لم تصل، حتى طعام العناصر لم يصل”.

2- انسحابات للفصائل

بعد سقوط مساكن هنانو، يشير المتحدث العسكري باسم "الجبهة الشامية"،  العقيد “الأحمد” إلى دخول قوات النظام مشارف حي الصاخور وفصله عن منطقة المطار وحي العويجة، ما أدى إلى انسحاب الفصائل المتمركزة هناك، خوفا من تعرض المقاتلين للحصار. وفي السياق قال عضو اتحاد “ثوار حلب”، رضا داوود لـ”سمارت”، أن أحد الأسباب الرئيسية لسقوط المدينة، “طريقة اجتياح النظام لها وهي خطة قطع الإمداد عن الأحياء لتسقط بدون قتال ما أجبر المقاتلين على الانسحاب من العديد من الأحياء وبشكل مفاجئ وسريع خوفا من الحصار”.

فصائل عدة انسحبت من الأحياء نتيجة هجمات النظام وجراء خلافات بينها، كما في كرم الطراب وحي الشعار وكرم الجبل، ومنطقة حلب القديمة حسب القاضي “أبو الحكم”. وهو ما أكده القيادي العسكري السابق، مشيرا إلى انسحابات من بعض النقاط “دون قتال” نتيجة تعرض فصائل لهجمات من أخرى والاستيلاء على سلاحها وذخيرتها، كما حدث في حي بستان القصر حسب قوله.

3- الخلافات بين الفصائل

في 4 كانون الأول، هاجمت جبهة “فتح الشام” وكتائب “أبو عمارة” مقرين لـ”جيش الإسلام” و”فيلق الشام” في حي بستان القصر، حيث احتجزت قياديين عسكريين واستولت على أسلحة وذخائر للأخيرة، معللة هجومها أنه جاء تطبيقا لقرار سابق من “مجلس قيادة حلب”، و"عدم مؤازرة (هذه) الفصائل لبقية الفصائل، وعدم التزامهم بنقاط تواجدهم رغم الحاجة لهم ولأسلحتهم".

سبق ذلك في 3 تشرين الثاني، وقوع اشتباكات بين حركة “الزنكي” وتجمع “فاستقم”، بعد انشقاق أحد عناصر الأخير وانضمامه إلى “الزنكي”، حيث عاد التجمع واعتقله، حسب ما قال القائد العسكري في الأخير حسن مرعناز بتصريح إلى “سمارت”. وتابع: “ تبين أن الأمر مبيت وقامت قوات تابعة لأبو عمارة وجبهة فتح الشام والزنكي بالهجوم على مقرات رئيسية للتجمع بمدينة حلب، حيث لم يكن عليها الحراسة الكافية بسبب القصف المستمر (..) ليبدأ بعدها هجوم النظام”.

بدوره تحفظ النقيب العامل في حركة “الزنكي”، عبد السلام عبد الرزاق، عن توضيح وجهة نظرهم من الخلافات بين الفصائل “تفاديا للجدل”، مضيفا “لا أتوقع أن لها تأثير على مجريات المعارك ولم تتأثر الجبهات”.
فيما نوّه “داوود” عضو “ثوار حلب”، أن هذه الخلافات  خلقت “قلة ثقة” بين الفصائل و”أضعفت الجبهات”، وهو ما أشار إليه العقيد “الأحمد” من حيث “إضعاف التجمع والروح المعنوية للكثير من الفصائل”.

إلى ذلك، وصف عضو المجلس المحلي لمدينة حلب، عثمان خضر، الأحياء بـ”الممالك، كل حي تابع لفصيل معين وكل فصيل يعتبر هذا الحي قطاعه، ومرسمين بحدود إدارية عن طريق الحواجز والراية والأعلام”، متابعا “العلاقة كانت ودية نوعا ما، والحساسية كانت بين الفصائل الإسلامية وفصائل الجيش الحر”.

4- ضعف توظيف السلاح 

أكد مصدران لوكالة "سمارت" وجود أسلحة ثقيلة لدى الفصائل العسكرية في حلب، وبينها حركة “نور الدين زنكي”. حيث أشار  القاضي “أبو الحكم” إلى وجود “28 عربة بي إم بي” لدى الحركة، فيما قال القيادي العسكري الذي رفض ذكر اسمه، إن الحركة تمتلك “أكثر من 30 مصفحة وعربة بي إم بي ودبابة، إضافة إلى ثلاثة مستودعات ذخيرة يتخللها عدد من الصواريخ المضادة للدروع وأهمها التاو”.

من جانبه، لم ينفِ النقيب “عبد الرزاق” من "الزنكي"، وجود أسلحة ثقيلة لدى “فصائل حلب”، مشددا أنها “لم تكن بالحجم والنوعية التي أظهرها إعلام النظام”، وأن “أغلبها استخدم في المعارك”، معقبا “لكن استخدامها كاملة أو بالشكل الأمثل يعود إلى ضعف بالقيادة والسيطرة بسبب عدم وجود قيادة واحدة للجبهات في كامل المدينة”، وهو ما أشار إليه العقيد “الأحمد” من “الجبهة الشامية”.

إلى ذلك، قال أحد سكان الأحياء الشرقية ، أحمد الجاسم، إن “الإمكانية والسلاح كانت متوافرة لدى الفصائل للوقوف في وجه النظام، ولكن لا أعلم ماذا حدث إلى الآن” في إشارة إلى سقوط المدينة السريع.

5- القصف الجوي الروسي

هيئت قوات النظام لهجماتها على أحياء حلب الشرقية بقصف مدفعي وصاروخي مكثف، إضافة إلى الدور البارز للقصف الجوي خاصة الروسي بمساندة قوات النظام وسقوط الأحياء. وحسب العقيد “الأحمد”، استهدف القصف مواقع مدنية كالمشافي والمراكز الطبية ومراكز الدفاع المدني. كذلك قال رئيس الدائرة السياسية في اتحاد “ثوار حلب”، هشام سكيف، إن الغارات الجوية التي بلغ عددها في “بعض الأيام 200 غارة وحوالي ثلاثة آلاف صاروخ وقذيفة”، استهدفت المدنيين والمراكز الحيوية ومستودعات  لمنظمة الهلال الأحمر ومشفى حي الصاخور.

في النهاية، وبعد الحصار والقصف والسقوط، خرج آخر سكان الأحياء الشرقية (بينهم مقاتلون) باتفاق عقدته الفصائل مع روسيا، ليرحلوا عنها إلى إدلب أو أرياف حلب. سقوط المدينة كاملة بيد قوات النظام وحلفائه أسقط فصائلها المقاتلة. لكن الجانب العسكري لا ينفي وجود وجوه أخرى مرتبطة بالحياة المدنية والسياسية والإغاثية، سنورد معلوماتها في تقرير لاحق.

 

الاخبار المتعلقة

اعداد عبدو الفضل | تحرير هيفا حداد 🕔 تم النشر بتاريخ : 9 فبراير، 2017 9:52:40 م تقرير موضوعي عسكري قوات النظام السوري
التقرير السابق
الملاجئ في ريف حمص الشمالي.. تكلفة مرتفعة وحاجة متزايدة
التقرير التالي
مؤتمر "جنيف 4" بعيون المدنيين والعسكريين والسياسيين بين الآمال والواقع