سقوط حلب: الفساد الإغاثي وتجويع السكان

اعداد عبدو الفضل | تحرير هيفا حداد 🕔 تم النشر بتاريخ : 24 فبراير، 2017 8:39:53 م تقرير موضوعي عسكريسياسياجتماعيإغاثي وإنساني إغاثة

سوء الأحوال الجوية وهطول الأمطار، هدّأ من وتيرة الاشتباكات، لتبدأ موجة نزوح جديدة. أكثر من خمسة آلاف مدني يتوجهون من أحياء محاصرة شرقي حلب إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في المدينة حسب مراسل “سمارت”. رغم تواتر أنباء عن مصادر أهلية وناشطين، بإعدام واعتقال تلك القوات لعشرات المدنيين في أحياء الكلاسة والفردوس وبستان القصر عقب سيطرتها عليهم. وفيما خرج هؤلاء بقي عشرات الآلاف محاصرين ضمن بضعة كليومترات مهددين بالقصف وهجمات النظام.

 عن تلك الفترة يقول رئيس الدائرة السياسية في اتحاد “ثوار حلب”، هشام سكيف، “المرحلة الأخيرة التي سبقت خروج المهجرين من أحياء مدينة حلب الشرقية والتي تزامنت مع سيطرة النظام عليها،  "كانت ظروفا غاية في الصعوبة، حيث سادت (...) حالة من التخلخل الأمني مع بعض الفوضى”، تخللها “تعديات  أفراد من الفصائل على المواطنين وحتى اعتقالات”، مردفا أنها لم تكن ارتكابات “ممنهجة”.

بدوره، يصف أحد سكان حي المشهد شرقي حلب، أحمد جاسم، حياته مع عائلته خلال الشهرين الأخيرين قبل مغادرة المدينة، بـ”المأساوية جداً”، ويضيف “مر علينا حينها ظروف صعبة جداً، من ناحية توفير المواد الغذائية وشدة القصف (...)، كما أثرت تقدمات النظام وسيطرته على الأحياء على حالتنا النفسية كثيراً” . 

هذه بعض من ملامح الحياة المعيشية والعمل المدني والإغاثي في الأحياء الشرقية من حلب، خلال الفترة القليلة السابقة لسقوطها بيد قوات النظام، والتي تشير إلى عوامل أخرى ساهمت في خسارة المدينة، إلى جانب العوامل العسكرية المرتبطة بطريقة تعامل الفصائل المقاتلة مع الهجوم المحضر للنظام وحلفائه على هذه الأحياء.

 

الحصار وتدهورالوضع المعيشي وفساد الهيئات المدنية

أحمد الجاسم الذي فقد عمه بقصف صاروخي على منزله في حي المشهد، يقول “عانينا كثيراً، ولم نعد نستطع أن نوفر شيئا (...) حتى مادة الخبز، بسبب الاحتكار من قبل التجار وجميع المواد كانت مخبئة، فمن يملك المال يستطيع شراء المواد” . وأكمل “الإعانة الطبية لم تكن متوفرة حتى سيارات الإسعاف في الآونة الأخيرة”.

وعن فترة الحصار ذاتها، أوضح عضو المجلس المحلي للمدينة، عثمان خضر، في تصريح إلى “سمارت”، أن سعر ليتر المازوت وصل إلى سبعة آلاف ليرة سورية، وأسعار بعض الخضراوات كباقة البقدونس 400 ليرة، وكيلو الباذنجان 1500، في حين بلغ سعر وعاء اللبن البقري ثلاثة آلاف ليرة. أما مادة الخبز فتوزع عن طريق المجلس بما قدره 600 غرام يوميا للعائلة المكونة من خمسة أفراد، والعائلة الأكبر تحصل على كيلو و200 غرام لمدة يومين. وأضاف “المواد الغذائية غير متوفرة بالمطلق والمحلات التجارية توقفت بسبب عدم توفر البضائع، وكان هناك نقص شديد في الأدوية”.

 وعن الوضع الأمني، قال “خضر” إن المدنيين شعروا “بالأمان أكثر في ظل سيطرة الفصائل”، مع امتلاكهم “الحرية الكاملة للتكلم بدون رعب”، إلا أنه أردف “نعم كان هناك تعديات واعتقالات من الفصائل بحق المدنيين، لكن ليس بالحجم الكبير والشكل المرعب”.

وفي السياق، أشار “سكيف” رئيس الدائرة السياسية في “ثوار حلب”، إلى احتكار “بعض التجار الذين كانوا يأخذون بعض الشرعية والسلطة من الفصائل” للمواد الغذائية. فيما وصف دور مجلس المدينة بـ”الضعيف والمترهل” مع وجود “الكثير من حالات المحسوبيات والفساد”. ما لم ينفه عضو المجلس “خضر”، معتبرا أنها “لم تكن بالشكل الفاضح”، لافتا إلى دوره “الإيجابي” في توفير القمح والخبز والمازوت للمرافق الخدمية.

أما في حديثه عن العلاقة مع الائتلاف الوطني السوري والهيئة العليا للمفاوضات، فقال “سكيف” إنها “تراوحت بين المتوسطة والسيئة، والسبب أن هناك بعدا كبيرا عن الوقائع" من جانب هذه الهيئات السياسية، فيما "حلب تلفظ أنفاسها الأخيرة”.

 

مستودعات إغاثة “ممتلئة” ومغلقة..وفصائل مشاركة بحرمان السكان

أكدّت عدة مصادر عايشت أوضاع الأحياء الشرقية خلال الفترة الأخيرة قبل سقوط المدينة، أن عددا من الفصائل والمنظمات الإغاثية امتلكت مستودعات "ممتلئة" بالأغذية والمواد الطبية، دون تقديمها للمدنيين.

حيث قال الناشط الإعلامي رامي داوود، بتصريح لوكالة “سمارت”، “نعم امتلك عدد من الفصائل والمنظمات الإغاثية عددا من المستودعات مليئة بالأغذية، فمن الفصائل حركة نور الدين زنكي وكتائب الصفوة، ومن المنظمات القلب الكبير وهيئة شباب مسلم”. ووجدت المستودعات في أحياء طريق الباب وحلب القديمة وسيف الدولة والمشهد، حيث احتوت وفقا له، على مادة الطحين التي “فقدت آخر ثلاثة شهور قبل التهجير”، وحصصا إغاثية وشتوية وطبية. موضحا أن منظمة “القلب الكبير” كانت توزع بداية الحصار، “نصف حصة غذائية للعائلة الواحدة كل شهر” ، فيما اقتصرت مساعدات الفصائل على عناصرها.

وتابع: “علمنا بهذه المستودعات قبل التهجير بشهرين، وعندما ذهب حي طريق الباب، اعترف بعض عناصر الجيش الحر بمستودعاتهم التي سيطر عليها النظام. ومستودع منظمة القلب الكبير في سيف الدولة سقط عليه صاروخ من طائرة حربية واكتشفنا أن بداخله أغذية وأطعمة كنا نفتقدها منذ بداية الحصار”.

قيادي عسكري مطلع رفض كشف هويته ومنصبه، أكد لـ”سمارت” امتلاك حركتي “نور الدين زنكي” و”أحرار الشام” وكتائب “أبو عمارة”، لـ”15 مستودع أغذية أطفال وحوائج مسنين”، توزعت على أحياء الشعار والأنصاري وصلاح الدين، إضافة إلى “ستة مستودعات مساعدات طبية، منها اثنين لأجهزة حديثة ومولدات كهربائية جديدة”، توزعت على أحياء بستان القصر والكلاسة “بيد النقاط الطبية وبعلم وحراسة الزنكي والأحرار”، حسب قوله.

بدوره، نوّه مدير جمعية “شركاء الخيرية” لرعاية المصابين ذوي الاحتياجات الخاصة في شرقي حلب، عمر داوود، إلى معرفتهم بامتلاك بعض الفصائل لمخزون إغاثي مخصص لعناصرها، “لكن المفاجأة هو الكم الهائل والمخزون الكبير الذي كانت تمتلكه”، في الفترة الأخيرة من الحصار. ذاكراً امتلاك المنظمتين الإغاثيتين السابقيتن لمساعدات “كبيرة ومخبئة”. مشيرا إلى “الأثر السلبي” لذلك على السكان.

واعتبر “داوود” أن “العامل الأساسي لسقوط حلب افتقاد الفصائل للحاضنة الأساسية وهي الشعب”، مرجعا ذلك إلى سيطرة الفصائل على “جميع مفاصل الحياة ضمن المناطق المحررة، دون التعاون مع أي مؤسسة ولا منظمة مجتمع مدني ولا الدوائر الحكومية”. كذلك أشار مدير جمعية “حلب الخيرية” أنس السواس، والمدير التنفيذي لجمعية “حوران الإسلامية” في شمالي سوريا، إلى غلبة سلطة الفصائل، ذاكرا حادثة سيطرة حركة “نور الدين زنكي” على مستودعاتهم الإغاثية وإيقاف نشاطهم في المدينة، بعد الخلاف بينها وتجمع “فاستقم كما أمرت”.

 

نقمة السكان ونفي فصائل ومنظمات تخبئة الغذاء

الناشط رامي داوود، تحدث لـ”سمارت” عن نقمة السكان والناشطين على الفصائل والمنظمات التي خبئت أغذية مع فقدان المواد من الأسواق، حيث هاجموا أحد المستودعات التابع لفصيل “الزنكي” في “حي الشيخ سعيد”، ليجدوه “ممتلئا بالطحين”. فيما أشار القيادي العسكري السابق ذكره في التقرير، إلى مهاجمة أهالي حيي بستان القصر ومساكن هنانو لأحد مستودعات المواد الغذائية التابع للفصيل ذاته.

بدورها قالت إحدى الناشطات الإغاثيات في جمعية "فورلايف"، والتي شاهدت مستودعا تابعا لـ"الزنكي" بعد هجوم السكان عليه وفتحه، حيث احتوى على "مواد غذائية وحليب أطفال ومواد صحية (..) تكفي لخدمة الناس شهورا" في ظل الحصار.  مشيرة إلى "اندهاش" المدنيين و"استغرابها" من وجود الغذاء في تلك الفترة من الحصار. وأكدت الناشطة التي لم تكشف عن اسمها، امتلاك منظمات للطحين ومواد إغاثية استولى عليها النظام. 

من جانبه، لم ينف النقيب عبد السلام عبد الرزاق الناطق باسم “الزنكي”، وقوع هجوم على أحد مستودعاتهم، دون تحديد موقعه، معللا إياه “تبين لاحقا أن مدبري الهجوم وأغلب المهاجمين كانوا بتوجيه من النظام (...) ودخلوا إلى مناطقه بعد أيام قليلة”. أما عن المستودعات فقال “هناك تضخيم كبير لعددها وحجمها”، مشيرا إلى وجود مستودعات “تعود لملاك الحركة”، كانت تقدم الدعم لـ”أسر الشهداء والمصابين” ومقاتلي الحركة الذين “لا يتلقون أية رواتب شهرية”. أما عن إغاثة المدنيين، فأكد توزيعهم سلات إغاثية في عدد من الأحياء “حسب استطاعة الحركة وما يأتيها”.

عضو المكتب السياسي في حركة “أحرار الشام”، ياسر الطائي، أكد توزيع الفصائل المقاتلة في حلب لـ”حصص غذائية ومعلبات وسكر وتونا وبرغل وعدس وشاي وزيوت” وغيرها، على المدنيين في أحياء الفردوس وقاضي عسكر وكرم البيك وباب الحديد.

بدوره، ردّ مصدر من “هيئة شباب مسلم” رافضا الكشف عن اسمه، على الاتهامات الموجهة لهم بتخزين الأغذية وحرمان السكان، بالنفي وتوزيعها كافة، معللا حديث البعض عن اكتشاف مستودع مليئ بالغذاء تابع لهم، بأن جهة طبية (رفض ذكر اسمها) خزنت فيه موادا “للطبخ لمشافيها بالإضافة لبعض المازوت”، لتعقد الفصائل اتفاق إجلاء الأحياء الأخيرة من حلب قبل أن تتمكن الجهة المذكورة من إخراج موادها وفقا له.

 أما خالد الجاسم مدير منظمة “القلب الكبير”، فقال إن الاتهامات الموجهة لهم “عارية عن الصحة 100 بالمئة”، مؤكدا مواصلتهم العمل الإغاثي حتى الأسبوعين الأخيرين من حصار الأحياء المتبقية شرقي حلب، و”حتى تم إفراغ مستودعاتنا إلى المدنيين عن طريق المجالس المحلية”. ونوّه إلى امتلاك منظمتهم أكثر من 30 مستودعا خاصا بمشاريعهم الإغاثية في أحياء حلب الشرقية، حيث كانت تصلهم المساعدات عبر “الطرق النظامية تحت إشراف الأمم المتحدة وبرعايتها إلى المستودعات الخاصة بالمنظمة وثم إلى المناطق التي سوف يتم فيها التوزيع بعد رفع أسماء تلك المناطق إلى الداعم وموافقته عليها”. 

الاخبار المتعلقة

اعداد عبدو الفضل | تحرير هيفا حداد 🕔 تم النشر بتاريخ : 24 فبراير، 2017 8:39:53 م تقرير موضوعي عسكريسياسياجتماعيإغاثي وإنساني إغاثة
التقرير السابق
مؤتمر "جنيف 4" بعيون المدنيين والعسكريين والسياسيين بين الآمال والواقع
التقرير التالي
سوريون ضمن سن التجنيد لم يستطيعوا دخول لبنان