المعتقلون في سجون الفصائل: اختطاف وتعذيب وغياب للمحاكمات

اعداد عبدو الفضل | تحرير هيفا حداد 🕔 تم النشر بتاريخ : 1 مايو، 2017 4:02:14 م تقرير موضوعي عسكريسياسي معتقل

لم تنفصل وقائع حياة السوريين في ظل نظام الأسد الأب والإبن عن تفاصيل الاعتقال والتعذيب والتغييب في السجون. ما حدا بالبعض إلى وصف البلاد بالسجن الكبير، أو "المسلخ البشري" وفق منظمة العفو الدولية "أمنستي". ولهذه التسميات قصص لا تنتهي لمعتقلي سوريا، وما عرفوه من خوف وظروف غير إنسانية في تلك السجون. إلا أن آخرين عاينوا قساوة سجون أوجدتها فصائل عسكرية نشأت في فترات مختلفة بعد قيام الثورة الشعبية ضد بشار الأسد وأجهزته الأمنية.

فهل تحولت سوريا من سجن واحد إلى سجون عدة، تتشابه رغم اختلاف مرجعياتها، بأساليب وظروف الاعتقال وطبيعة الانتهاكات؟

تعود الشهادات الواردة ضمن هذا التقرير إلى معتقلين وجهات مطلعة ضمن محافظة إدلب، تحفظ معظمهم عن نشر أسمائهم الحقيقية وهوياتهم خوفا على حياتهم.

 

اعتقالات وخطف دون إذن قضائي

روى أحد المدنيين لـ"سمارت"، ويدعى "أحمد"، حادثة اعتقاله مع صديقه الذي ما زال مصيره مجهولا حتى اليوم، فيما يرجح أنها عملية اختطاف، حيث حاصرتهما سبع سيارات، تحمل 25 رجلا ملثما "سيارتين منهم مزودتين برشاشات ثقيلة"أمام محل تجاري في إحدى المناطق جنوبي محافظة إدلب، صرخوا بعبارات: "سلم نفسك وارم سلاحك، أي حركة سنطلق الرصاص عليك". ثم اقتادوهما في سيارة بعد ربط أيديهما بـ"الكلبشات والربطات البلاستيكية"، إلى قرية يعرفها المصدر، قائلا "عرفت وقتها أننا اعتقلنا من قبل الأحرار" (المقصود حركة أحرار الشام الإسلامية). مضيفا أنهم عمدوا إلى لزق فمه وضربه بأداة قاسية لإسكاته عندما حاول الصياح.

"غسان" مدني آخر اعتقل على طريق بين قريتي الشيخ مصطفى وكفرنبودة، إذ اقتربت منه سيارة نقل كبيرة (فان) فضية اللون، بداخلها ملثمون، انهالوا عليه بالضرب ليختطفوه ويحتجزوه بعدها في منزل بمنطقة خان شيخون، قال إنه علم لاحقا من صوت أحد القياديين المعروف له، أن "فيلق الشام" اعتقله.

لم تقتصر الاعتقالات على المدنيين، بل طالت أحد قادة الكتائب الصغيرة التابعة لـ"أحرار الشام"، الذي تحدث عن عملية اعتقاله من مقر كتيبته، قائلا: "جاءت سيارات تحمل شعارات الحركة وقاموا باعتقالي وتكبيل يدي ثم وضعوا قطعة من القماش على عيني واقتادوني إلى مكان لا أعلمه".

كذلك، تعرض أحد عناصر الجيش الحر التابع للواء 313، واسمه محمد حسن الزعيم، للاعتقال في سجون "جبهة النصرة" (جبهة فتح الشام حاليا)، في طريقه إلى منزله، حيث أوقفه أحد شرعيي "النصرة" في سراقب، وطلب منه الذهاب معه "للإجابة عن أسئلته"، ليحتجزوه في مدجنة حسب وصفه.

حول ذلك، أكد قيادي سابق في "أحرار الشام" إطلاق عمليات اعتقال "عشوائية" مشتركة لفرق أمنية تضم "الحركة وفيلق الشام والفرقة الوسطى"، تنفذ دون إذن قضائي أو تدخل من أية محكمة.

 

تعذيب في سجون الفصائل والقائمون عليه بين الشهرة و التجربة في معتقلات النظام

ذكر المعتقلون السابقون تعرضهم لأساليب تعذيب متنوعة خلال عمليات التحقيق، تشمل الإيذاء الجسدي المباشر كالجلد و"الفلق" (أي الضرب بسوط على أسفل القدمين) والضرب على مفاصل القدمين والرأس بالعصا والكبل (سلك ثخين) وعصا الكهرباء، لتصل إلى "الشبح" وهو تعليق الشخص من يديه إلى حائط لساعات أو أيام، والصعق بالكهرباء، و"التابوت" حيث يجبر الشخص على جلوس القرفصاء ضمن حيز ضيق جدا حيث لا يمكنه التحرك أو التقلب أو الجلوس مع انحناء الظهر إلى الركب.

أما التعذيب النفسي فيتضمن السجن في منفردات والحرمان من الضوء والطعام لأيام، وفي بعض الحالات يقتصر تقديم الطعام على الخبز فقط، إضافة إلى الإهانات المتكررة وسماع أصوات تعذيب المعتقلين الآخرين، كما أشار "أحمد" إلى دخول أحد الخاطفين معه إلى دورة المياه وإجباره على قضاء حاجته تحت تهديد السلاح، وتكبيله أثناء أداء الصلاة.

وتحدث "غسان" عن استخدام الخاطفين لمكبرات صوت مع وضع "أغاني ثورية بصوت عالٍ" وحرمانه من الصلاة.

وذكر القيادي السابق في "أحرار الشام" اشتهار شخصيات معينة بقساوة أساليب التعذيب والتحقيق التي تتبعها في سجون الفصائل، أبرزهم "النمر" الذي يعمل في محكمة منطقة ترملا، وقبلها في سجن "الصوامع" بمدينة سراقب، ويعرف بممارسته لـ"الصعق بالكهرباء والشبح وقلع الأظافر (..) حسب أقوال المساجين الخارجين".

من الشخصيات المشهورة أيضا بأساليب تعذيبها، محمود محمد درياس الملقب "أبو عامر" العامل كقيادي شرعي في "أحرار الشام"، ومن أقسى الأساليب التي يتبعها "إيقاف المعتقل إلى الحائط وإطلاق الرصاص حوله لإيهامه بتصفيته حتى يجيب عن الأسئلة"، حسب ما أوضح القيادي السابق.

وأشار مصدر أهلي مطلع أن القائمين على التعذيب والتحقيق في عدد من سجون الفصائل بإدلب، هم إما عناصر أمنية انشقت عن النظام "ذات خبرة عالية" في هذا المجال كأولئك العاملين في محكمة ترملا وسجون "الـ57 وإيكاردا وإدلب المركزي"، أو مساجين سابقين في سجن صيدنايا المركزي كالقائمين على سجن "الصوامع". أما سجن باب الهوى فيعرف بكونه مركزا للتعذيب وإقرار الإعدامات الميدانية والسجن المؤبد، كما يوجد سجون "مخفية" لا يعرف ما يجري ضمنها، وفقا للمصدر.

 

العداءات بين الفصائل ومع تنظيمات جهادية سبب للاعتقال

من خلال روايات المعتقلين لتجاربهم في سجون الفصائل، يظهر أن الأخيرة تعتقل المدنيين أو العسكريين بناء على عداءاتها مع فصائل أخرى أو تنظيمات جهادية، إذ وجهت لهم تهم الانتماء والارتباط بالجيش الحر أو قاداته، ووجود صلات مع "جبهة النصرة" وتنظيم "الدولة الإسلامية" و"جند الأقصى"، وزراعة الألغام لاغتيال عناصر أو قيادات منها.

ولم يخضع المعتقلون لمحاكمات ولم يعرضوا على محاكم مختصة، وفيما استطاع المقاتل في اللواء 313، " الهروب من سجن "النصرة" الذي كان عبارة عن مغارة، أفرجت "أحرار الشام" عن القائد السابق لأحد كتائبها الذي لم يثبت تورطه بالتهمة الموجهة له رغم تعرضه للتعذيب.

أما المدني "أحمد"، فقرر الخاطفون تصفيته ونقلوا صديقه إلى سجن أو مكان مجهول. وتمهيدا لقتله، اقتادوه إلى مكان منعزل وربطوا قدميه حسب وصفه، وتابع: "لقم البندقية وقال لي قل الشهادة، سنطلق النار عليك، ثم اختفوا بعدها حتى وجدني صاحب الأرض وفكني".

 

جهات حقوقية محلية ودولية: ممارسات الفصائل تشابه أساليب النظام

أكد تقرير أصدرته منظمة العفو الدولية في 5 تموز 2016، تنفيذ فصائل "الجبهة الشامية" و"حركة نور الدين زنكي" و"الفرقة 16" في حلب، وحركة "أحرار الشام" و"جبهة النصرة" في إدلب، لـ24 عملية اختطاف لناشطي حقوق إنسان وأفراد من أقليات دينية ومتهمين بالتعامل مع النظام السوري بينهم أطفال، ما بين عامي 2012 و2016، إضافة لعامل إغاثة، تعرضوا للتعذيب وفق أساليب مشابهة لتلك المستخدمة لدى النظام.

كذلك، أشار المحامي وعضو "الهيئة الحقوقية للثورة السورية" المنشأة في تركيا عام 2013، مصعب الجمل، إلى عدم وجود أي أساس قانوني لممارسات الفصائل من حيث تنفيذ الاعتقالات والتهم المبنية عليها وممارسات التعذيب والأحكام الصادرة بحق المعتقلين، بما فيها الإعدام، وتابع: "نحن إذ نقر ممارسات الفصائل يعني أننا نقر ممارسات النظام أيضا".

وتعد حادثة اختطاف الحقوقية رزان زيتونة وثلاثة من زملائها العاملين في مكتب مركز توثيق الانتهاكات في الغوطة الشرقية لدمشق، أواخر عام 2013، من أبرز الحوادث التي جرت في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام، حيث حملت 72 منظمة إنسانية وحقوقية دولية وعربية وسورية، "جيش الإسلام" وتحالف كتائب "الجبهة الإسلامية" المنتمي إليه، المسؤولية عن عملية الاختطاف، إذ ما زال مصير الحقوقيين الأربعة مجهولا حتى اليوم.

ويعتبر الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب كما القتل تحت التعذيب، وعمليات الإعدام الميدانية، انتهاكات لحقوق الإنسان اقترن ذكرها في عدة تقارير لمنظمات دولية إنسانية (أمنستي وهيومن رايتس ووتش)، بممارسات قوات النظام السوري.

بدوره، ردّ مسؤول العلاقات العامة في حركة "أحرار الشام" ياسر الطائي، على ما أسماه "الكلام" عن تنفيذهم لاعتقالات بحق مدنيين وعسكريين، أن هدفه "إضعاف الشعور القومي والنيل من وحدة الصف العربي"، متسائلا: "هل نحن مثلا فرع فلسطين (فرع أمني تابع للنظام)؟.

أما رئيس الهيئة الشرعية والمكتب القضائي في "فيلق الشام" عمر حذيفة، فنفى تنفيذهم لأي اعتقالات قسرية أو إنشاء محكمة خاصة، واعتبر ما ورد عن ممارستهم للتعذيب بـ"الأمر المبالغ فيه"، مشيرا إلى عضويتهم في محكمة مدينة بنش وامتلاكهم لمكتبين أحدهما قضائي يفصل في الخلافات بين عناصرهم، والآخر أمني يلاحق المخلين بالأمن العام ويتولى التحقيق معهم أعضاء مختصون بذلك.

كذلك قال الرئيس السابق لمحكمة ترملا، الشيخ ناصر، إن الأخبار المتداولة عن ارتكابهم لاعتقالات قسرية وتعذيب في السجون "فيها تهويل كبير"، دون أن ينفي "بعض التجاوزات من قبل أمنيي الفصائل".

 

ويحرّم الإعلان العالمي لحقوق الإنسان القبض أو الاحتجاز التعسفي لأي إنسان (المادة 9)، كذلك تعريضه للتعذيب أو المعاملة "الحاطة بالكرامة" (المادة 5)، مع التأكيد على حقه بمحاكمة مستقلة نزيهة عادلة وعلنية (المادة 10)، ما يضع فصائل مسيطرة على مناطق سورية في قائمة واحدة مع النظام من حيث الانتهاكات المرتكبة.

 

 

 

 

الاخبار المتعلقة

اعداد عبدو الفضل | تحرير هيفا حداد 🕔 تم النشر بتاريخ : 1 مايو، 2017 4:02:14 م تقرير موضوعي عسكريسياسي معتقل
التقرير السابق
التدخل الإيراني في سوريا: استملاك لمراكز المدن الكبرى واستثمارات مع النظام
التقرير التالي
عمالة الأطفال في إدلب بين الحاجة وغياب المحاسبة (فيديو)