"مؤونة الشتاء" في سوريا بين الضرورة وارتفاع الأسعار

سمارت - ريف دمشق

رغم العمليات العسكرية والحصار، التي تشهدها معظم المناطق السورية منذ نحو سبع سنوات، ما تزال "المؤونة" تشكّل أولوية لدى السوريين، وإن قلّت كميتها، نظرا لتلك الظروف وارتفاع الأسعار خلالها، إلّا أن الحاجة الملّحة لها، تجعلهم يسعون لتخزين ما يمكن تخزينه من خضار وفاكهة في فصل الصيف والعمل على تكوين أطعمة متعارف عليها، وحفظها لتكون ذخيرة غذائية يستعينون بها في فصل الشتاء.

"المؤونة"، وهي أحد أهم أساسيات الحياة في المنازل السورية، تعدُّ جزء مهما من التراث الاقتصادي، ما زالوا يتمسكون بها، ويدخرون لها مالا خاصا كل عام، ويحين وقتها بشكل دائم في أشهر آب وأيلول وتشرين الأول، ولذلك تأتي نفقتها، مضاعفة على السوريين.

وخلال هذه الأشهر الثلاثة، يستعد أهالي مدينة معضمية الشام في الغوطة الغربية بريف دمشق، لتخزين أهم المواد الأساسية، في ظل صعوبات يواجهونها أهمها ارتفاع الأسعار، وسوء الأوضاع المعيشية في المدينة التي تعرضت لحصار دام أكثر من أربع سنوات، في ظل معارك عنيفة دارت بين قوات النظام وفصائل عسكرية، قبل أن تنتهي مطلع العام الفائت بعد تسويةأفضت إلى تهجير مقاتليها وعائلاتهم إلى الشمال السوري، ليبسط النظام عقب ذلك، سيطرته على كامل المدينة.


"المكدوس" الأكثر تخزينا في المعضمية

تشتهر مدينة معضمية الشام (4 كم غرب العاصمة دمشق) بتخزين أكلة "المكدوس"، رغم ارتفاع أسعار موادههذا العام كما في العام السابق، حيث بلغت كلفة الكليلو الواحد نحو 1500 ليرة سورية تقريبا، ولذلك تقلل العوائل ذات الدخل المتوسط من الكمية المخزنة، فبعد أن كانت العائلة الواحدة تخزن قرابة 50 كيلوغراما، باتت تكتفي بـ 20 كيلو أو أقل، حسب ما تحدثت لـ "سمارت"، أم عبدو، إحدى ربّات المنازل في مدينة المعضمية.

وتتابع "أم عبدو" عن أسعار مواد "المكدوس"، كيلو الباذنجان يتراوح بين 150 و170 ليرة سورية، وكيلو الفليفلة بين 350 و450 ليرة، والثوم بين 1700 إلى 1800 ليرة، بينما كيلو الجوز يتجاوز الـ 6 آلاف ليرة، فيما يتراوح سعر ليتر زيت الزيتون ما بين 1400 إلى 1600 ليرة، أي ما يعادل 13 – 15 ألف ليرة لكل 10 كيلو من "المكدوس"، مضيفة أن التكلفة ترتفع وتنخفض حسب جودة ونوعية المواد المستخدمة، في ظل ارتفاع الأسعار بشكل عام.

وعملية إعداد "المكدوس"، تتم عبر سلق الباذنجان ومن ثم تبريده وحشيه بمادة الجوز والفليفلة الحمراء ووضعه في الزيت ضمن أوعية زجاجية، ليقدّم على موائد الفطور في الشتاء، فهو بالنسبة لمعظم السوريين وجبة غذائية كاملة ولذيذة رغم سعره المرتفع، كما أنه يُعدّ من أبرز الأكلات الشعبية، وهو أحد أهم أنواع "الحواضر" التي تحضّرها ربّات المنازل، وتشمل إلى جانبه "اللبنة، والجبنة، والزيتون، والمخلل، والمربّى".

وشهدت مكونات أكلة "المكدوس" العام الفائت، ارتفاعاً في الأسعار أيضاً، حيثتراجع الإقبال عليها في ريف السويداء، كما وصل سعر "المكدوسة" الواحدة إلى 70 ليرة، في ريف حمص الشمالي المحاصرمن قوات النظام، الأمر الذي أثر بشكل كبير على قدرة الأهالي على تجهيز "المونة" لتقتصر على المقتدرين، فيما اكتفت معظم العائلات هناك، بما قدمته الجمعيات الخيرية فقط.


"الكشك" من المؤونة الأساسية..

تقول "أم خالد" ربة منزل من المعضمية، أن مادة "الكشك" من أهم الأكلات المعدة على موائد معظم منازل مدينة المعضمية في الشتاء، لذلك تُخزّن بشكل كبير، إلّا أن أسعارها هذا العام أيضا ارتفعت كما باقي المواد الغذائية الأخرى، حيث بلغ تكلفة الكيلو الواحد قرابة 500 ليرة سورية، بعد ارتفاع أسعار مكوناتها وهي الحليب بسعر 300 ليرة للكيلو الواحد، و200 ليرة كيلو البرغل.

وتكتفي العوائل محدودة الدخل في مدينة المعضمية، بإعداد نحو  7 كيلوغرام من مادة "الكشك"، بينما تخزّن العوائل متوسط الدخل قرابة الـ 15 كيلوغرام، مضيفة "أم خالد"، أن لقلة تخزين مادة الكشك، تباع في الأسوق بسعر 5000 ليرة سورية للكيلو الواحد.


"للمربيات" مساحة في "بيت المونة"..

من المواد المعدة للتخزين والتي تعتبر جزء أساسي من "المؤنة"، المربيات وهي منتوج غذائي صناعي يحضر باستعمال أنواع مختلفة من الفاكهة، وعادة ما تكون من الفاكهة الموسمية سريعة التلف، حيث يتم تحويلها إلى مربى كوسيلة لحفظها، وأبرزها في المعضمية فاكهة "التين"، والذي يحتاج لتحويله إلى مربى لمادة السكر، وسعر كلا المادتين مرتفع، حيث تبلغ تكلفة إعداد الكيلو الواحد من مربى التين 800 ليرة سورية.

تحدّثت "أم خالد"، عن الكمية المعدة من مربى التين والتي قلّت عن الأعوام السابقة، لارتفاع سعر التين الذي تراوح بين 350 و 400 ليرة سورية للكيلو الواحد، بينما بلغ سعر كيلو السكر نحو 350 ليرة، ما دفع الأهالي بتخزين كميات قليلة لا تتجاوز الـ 25 كيلو تكفي لمنتصف فصل الشتاء، بينما كانت تخزّن في السابق أكثر من 50 كيلوغرام.


"مؤونة" الخضار والبقوليات في المعضمية

تتربع الخضار والبقوليات على قائمة "المونة" لدى السوريين، والتي تُحفظ وفق عملية التجفيف (التييبيس)، وتعني نشر الخضروات بعضها ليجف وبعضها ليذبل بهدف تخزينها فيما بعد، وتشمل هذه العملية طيفا واسعا من الخضار على رأسها "الملوخية، والنعناع، والباذنجان، والكوسا"، والبقوليات كـ "الحمص، والعدس، والفاصولياء، والبازلاء"، والفواكه أيضا كـ "التين، والعنب ليتحول إلى زبيب".

تقول "أم خالد"، عن الخضار والبقوليات التي تٌحضّر للتجهيز في أواخر الصيف وأوائل فصل الخريف، إنهم في المعضمية يقومون بتجفيفها (تيبيسها) وتغليفها ووضعها في أكياس خاصة وحفظها في ثلاجات المنازل لحين قدوم فصل الشتاء، فيما تحفظ بعض المواد "المجففة" تعليقا على جدران غرف صغيرة تعرف باسم"بيت المونة"، لافتة أن إنقطاع الكهرباء نتيجة المعارك والقصف سابقا، قلّل أيضاً من عملية تخزين بعض المواد الأساسية التي تحتاج إلى حفظ في الثلاجات.

مادة "الملوخية" إحدى أهم مواد الخضار في "بيت المونة" والأكثر تخزينا، شهدت ارتفاعا في الأسعار، ما قلل من كمية تخزينها عن الأعوام السابقة، واكتفت بعض عائلات المعضمية بتخزين قرابة 10 كيلوغرام فقط، بسعر 700 ليرة سورية للكيلو الواحد (الأخضر)، فيما بلغ سعر الكيلو الواحد المجفف (المُيبّس) نحو 2000 ليرة سورية في الأسواق، أما مادة "البامياء"، فتراوح سعرها بين 600 و 800 ليرة، خزّنت منها كل عائلة متوسطة الدخل قرابة 15 كيلوغرام أو أكثر قليلا.

أما مادة "البازلاء"، فقد ارتفع سعرها هذا العام، لحد "جنوني" عن الأعوام السابقة حسب ما ذكرت "أم خالد"، حيث تراوح سعر الكيلو الواحد بين 500 إلى 600 ليرة سورية، ما أدى لعدم تمكّن العوائل متوسطة الدخل من تخزين أكثر من 15 كيلوغرام، بعد أن كانت تخزّن سابقاً قرابة الـ 30 كيلوغرام، مشيرة "أم عبدو"، لمادة "الفول" التي تُخزّن بكميات كبيرة أيضا، ولكن تخزينها قل لارتفاع سعرها الذي تراوح بين 700 و 1000 ليرة سورية للكيلو الواحد.

وعدا عن المعارك والقصف والحصار الذي شهدته مدينة معضيمة الشام، والمستمر في مناطق سورية أخرى، يبرر بائعو الخضار والبقوليات ارتفاع أسعارها، إلى ضعف الإنتاج في مواسم الزراعة المرتبطة أساسا بما تشهده البلاد ككل من معارك وقصف دفعت بكثير من الأهالي إلى النزوح وتركِ أراضيهم الزراعية، فضلا عن موجة الغلاء العالمية التي تأثر بها الجميع، وفقا لقولهم.

وحسب ما قال لـ "سمارت"، أحد سكّان المعضمية، (طلب عدم الكشف عن اسمه)، فإن جميع المواد الغذائية بما فيها الخضار، تدخل إلى المعضمية الخاضعة بشكل كامل لسيطرة قوات النظام، عبر معبر وحيد شرقي المدينة يسيطر عليها النظام وميليشيا "الدفاع الوطني" (الشبّيحة)، بهدف ضبط النظام جميع المواد التي تدخل إلى المدينة، القادمة معظمها من سوق الهال في مدينة دمشق، وبلدة سعسع في ريفها الغربي، لافتا إلى تفاوت أسعار المواد، حسب المناطق القادمة منها.

جدير بالذكر، أن "مونة الشتاء" لم تعد في كثير من المناطق السورية ومنها مدينة المعضمية، كما كانت سابقاً، عادة سنوية يدخر لها السوريون المال الخاص لإعدادها في الصيف، واستهلاكها في الشتاء، إنما بات الأمر مرتبط بخوفهم من التطورات العسكرية التي تشهدها المنطقة، والتي تؤدي غالباً إلى أزمة اقتصادية ونقص في المواد الغذائية، نتيجة الحصار وشل حركة التنقل التي تفرضها المعارك بين الأطراف المتصارعة.
 

الاخبار المتعلقة

التقرير السابق
مأساة السوريين.. أطراف مبتورة وآمال ببدائل "صناعية" تعيدهم للحياة (فيديو)
التقرير التالي
نازحو مخيم قانا بالحسكة بين سوء الخدمات والإقامة الجبرية