العمل الطبي وتطوره في ظل الثورة السورية (1-2)

اعداد هبة دباس | تحرير هبة دباس 🕔 تم النشر بتاريخ : 6 فبراير، 2018 3:30:37 م تقرير موضوعي اجتماعيإغاثي وإنساني مجتمع مدني

منذ اندلاع الثورة السورية وبدء المظاهرات السلمية المناهضة للنظام الحاكم في سوريا، لجأت قوات النظام لاستخدام الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المتظاهرين، وسرعان ما تطور الأمر لاستخدام الرصاص الحي واستهداف أماكن تجمع المتظاهرين بقذائف الهاون، ما شكل دافعا أساسيا لنشوء وحدة اسعافية طبية سرية، تعالج المصابين من المتظاهرين، نظرا للخطورة تعرضهم للاعتقال بحال أسعفوا إلى مشاف تابعة للنظام.

 

بداية العمل الطبي وامتثال الأطباء للدافع الإنساني:

مع وقوع اصابات في صفوف المتظاهرين، سرعان ما تعاطف أطباء في عموم سوريا مع المتظاهرين المصابين وبادروا لعلاجهم تلبية لـ"قسم أبوقراط" الذي يحتم عليهم علاج أي مريض بحياد وبغض النظر عن انتماءاته الدينية والعرقية والسياسية، الأمر الذي جعل الأطباء أنفسهم عرضة للخطر والاعتقال.

يروي أطباء عدة قابلتهم "سمارت" أواخر شهر كانون الثاني 2018، تفاصيل عن بدء ونشأة العمل الطبي والمشافي الميدانية مع اندلاع الثورة السورية، ففي معظم المدن السورية والمناطق التي شهدت مظاهرات، تعرض المتظاهرون لاطلاق نار حي وضرب بالهراوات وقنابل صوتية وأخرى مسيلة للدموع، الأمر الذي سبب عشرات الاصابات في صفوفهم نظرا لكثرة عدد المتظاهرين حينها.

في تلك المرحلة، كانت الثقة المتبادلة هي الأمر الوحيد المطلوب لعلاج المريض، عادة ينقل الناشطون المصاب إلى منزل أحدهم أو عيادة طبيب أو قبو جهز بسرير وأدوات اسعافية أولية، ثم يحضرون الطبيب "على مبدأ الثقة المتبادلة"، ويعالج المصاب مجانا، ضمن الامكانيات المتاحة، كما يستخدم الطبيب علاقاته الشخصية لنقل المصاب إلى مشفى خاص أو عام إن كان بحاجة إلى عمل جراحي، وذلك دون علم مدراء المشافي العامة وفق الطبيب عبد الكريم قزيز.

يروي الممرض علي عثمان في منطقة جسر الشغور،  طريقة استخدمها لحفظ أمنه وأمن الطبيب عند احضاره لاسعاف أحد المصابين، يقول: "أحضرت ورقة نقدية من فئة خمسين ليرة سورية وقسمتها نصفين، نصف بقي معي ونصف مع الطبيب، إذ لا يلبي الطبيب نداء أي شخص يدعي أنه مرسل من قبلي الا إن كان يحمل النصف الآخر من الخمسين ليرة، وذلك تجنبا لخرق عناصر الأمن والعواينية العمل ومنع اعتقال الطبيب وتعريضه للخطر".

قال الطبيب عبد الكريم قزيز وهو مستشار في الجسم التنسيقي المركزي لمديريات الصحة في المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام، إن عددا من  زملائه الأطباء في  مشفى الرازي الذي كان يعمل فيه، اعتقلهم النظام كما قتل بعضهم تحت التعذيب، بسبب اسعافهم للمتظاهرين.

 

بداية تنظيم العمل الطبي مع ظهور "المناطق المحررة":

مع تزايد عدد المظاهرات وتصاعد قصف النظام للمدن والبلدات التي تشهد مظاهرات، تطور العمل الطبي من مرحلة الاسعاف الطارئ إلى تأسيس مشاف ميدانية ونقاط طبية منظمة نوعا ما، فيها كادر طبي "قليل العدد" متواجد بشكل دائم.

واعتمدت النقاط الطبية الصغيرة أو المشاف الميدانية على ما يقدمه المتبرعون من مواد طبية عينية أو ما يقدمه أصحاب الصيدليات والأطباء من معدات، إضافة إلى مبالغ مالية جاءت كتبرعات من أبناء المنطقة أو من المغتربين في بلاد المهجر، والفئة الأخيرة هي التي دعمت العمل الطبي بنسبة أكبر من غيرها كون معظم المغتربين من أبناء الجاليات العربية هم أطباء كان لهم توجه لانشاء منظومة طبية تسد الفجوة والحاجة وسرعان ما تطورت إلى قطاع صحي يشمل جوانب عدة.

وفي الوقت الذي بدأ الجيش السوري الحر بالسيطرة على أحياء ومدن في سوريا، راى الأطباء الذين التقتهم "سمارت"، والذين تنقلوا بين المشاف الميدانية في معظم المناطق، أن العمل الطبي في هذه الفترة اتخذ منحى مختلف تماما، من سد الثغرات إلى تأمين الاحتياجات الطبية الأساسية وتأسيس قطاع طبي متاكمل لخدمة تلك المناطق التي أوقف النظام عمل المشافي والمستوصفات فيها، وكان ذلك بدعم من منظمات إنسانية وطبية وتبرعات خارجية.

يروي الطبيب عبد الكريم قزيز، جانبا من عمله في مشفى ميداني حي السكري بمدينة حلب، إلى جانب ممرضين وسائق سيارة إسعاف فقط، وكيف أنه توافق مع باقي الأطباء في الأحياء الشرقية على توزيع النقاط الطبية وعدم تجمع الكوادر الطبية في مكان واحد حرصا على استمرارية العمل الطبي في حال تعرض المكان للقصف، وتجنبا لأكبر قدر من الخسائر التي يمكن اسعافها.

بينما في مدينة مضايا لم يتسن للمشافي الحصول على أي دعم، بسبب الحصار الطويل والخانق الذي فرضته قوات النظام عليها، ما أدى لنقص في الموارد والكوادر الطبية وضعف في مهارات العمل الطبي بسبب عدم امكانية تأمين تدريبات خاص لهم، وقال طبيب المشفى الميداني في بلدة مضايا الطبيب محمد درويش، إنه عمل بالمشفى وهو طالب في السنة الثالثة بكلية طب الأسنان بعد تأسيس المشفى بعامين، إلى جانب طبيب بيطري وفني تخدير، حيث كان الكادر مسوؤلا عن إجراء عمليات جراحية بمعدل عمليتين يوميا، والتعامل مع حالات سوء التغذية وأمراض مزمنة، وفق "درويش" الذي أوضح أن المشفى من تأسيسها عالجت متظاهرين مصابين ومقاتلين من الجيش السوري الحر في الجبل الشرقي المجاور ومدينة الزبداني.

وبحسب مدير مكتب المناصرة في منظمة "سامز" الطبيب محمد كتوب، والمصادر السابقة فـ" إن الفصائل العسكرية منذ تشكلها، لم تتدخل في عمل القطاع الطبي و"احترمت عملهم (...) لأسباب عدة منها الحاجة الماسة لهذه النقاط الطبية حيث أن إضرابها عن العمل يسبب أزمة لا قدرة للفصائل على علاجها"، وأضاف "كتوب" أنهم واجهوا بعض محاولات تدخل من كتائب إسلامية وغيرها، إلا أن التدخل أو "المضايقات" لم ترقى إلى خلافات ومشاكل، فسرعان ما تتدخل أطراف أخرى لحفظ استقلالية وحياد العمل الطبي.

بينما يروي الطبيب "قزيز" أنهم في حي السكري كانوا يعالجون أسرى وعناصر من قوات النظام ويتعاملون معهم بناء على قسم أبو قراط، وذلك على مرأى من الفصائل المسيطرة آنذاك، والتي أكد أنها لم تبد أي اعتراض على الأمر، لافتا إلى درجة "الوعي والتفهم" عند بعض القادة.

ووفق الأطباء الذين قابلتهم "سمارت" وقدم جميعهم خدمات طبية للمتظاهرين والمدنيين في مسقط رأسهم وتنقلوا بين بلدات ومدن في عموم سوريا، فإن عددا منهم ساهم بتأسيس وتشكيل منظمات إنسانية طبية تدعم عمل المشافي، كما أنهم أنفسهم وضعوا أسس وهيكلة القطاع الطبي وفق الامكانات والحاجات وقتها، مستندين على علاقاتهم الشخصية داخل البلاد وخارجها، وستفرد "سمارت" تقريرا مفصلا عن دور هذه المنظمات ومستقبلها.

الاخبار المتعلقة

اعداد هبة دباس | تحرير هبة دباس 🕔 تم النشر بتاريخ : 6 فبراير، 2018 3:30:37 م تقرير موضوعي اجتماعيإغاثي وإنساني مجتمع مدني
التقرير السابق
النظام يحتكر المتة وسوريون يؤكدون أنها ليست "مشروبا طائفيا"
التقرير التالي
سقوط مروحية تركية فوق منطقة عفرين وروسيا تدعو إسرائيل والنظام السوري لـ"ضبط النفس"