القضاء في "المناطق المحررة" بين الضرورة وغياب المرجعيات

اعداد محمد عماد | تحرير محمد عماد 🕔 تم النشر بتاريخ : 12 فبراير، 2018 11:16:02 م تقرير موضوعي سياسياجتماعي قضاء

انتشرت حالة من الفوضى وعمليات الانتقام في عدد من المناطق بُعيدَ طرد قوات النظام السوري منها، ما أدى لظهور محاكم تابعة في أغلبها للفصائل العسكرية، تولت فض النزاعات بعد انهيار القضاء فيها، وكذلك حفظ الأمن والممتلكات العامة.

ولم يكن القضاء منذ عام 2011 بمعزل عن الأحداث المتسارعة المرافقة لـ"الثورة السورية"، حيث كان أحد القطاعات التي غاب عنها التنسيق في العمل والوضوح في القوانين، فضلا عن غياب الدعم لرفده بقضاة مختصين يتولون الحكم بالقانون بين المتنازعين وتحديد سلطات ووظائف المحاكم، وتدريب القضاة، رغم محاولات محامون وقضاة تدارك الموقف.

محاكم الضرورة

يمكن وصف المحاكم "الشرعية" أو "الهيئات الشرعية" التي ظهرت في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام بأنها محاكم للضرورة، نظرا للحاجة الملحة لها بعد انهيار مرفق القضاء وانسحاب كثير من القضاة التابعين لحكومة النظام السوري لإحداث فراغ مقصود وفق متابعين.
ورغم إيجابية المحاكم "الشرعية" من حيث المبادرة لتصدر المشهد وسد فجوة غياب القضاء، إلا أنه طالتها كثير من الانتقادات التي سلطت الضوء على مواطن الخلل فيها من نقص الخبرة الحقوقية والقانونية، وكرست ظاهرة الشيخ الذي يتولى القضاء والذين لا يملكون في بعض الأحيان إجازات شرعية أساسا، مقابل غياب القاضي المختص.
 

 

من جانب آخر، يؤكد خبراء أن من أهم سلبيات هذه المحاكم هو "ازدواجية الأحكام" لعدم وجود مرجعية قانونية ثابتة لها، حيث تصدر كل محكمة حكما خاصا استنادا للشريعة الإسلامية، ولكن كل باجتهاده وفهمه لنصوص القرآن والسنة، بحيث من الممكن أن يحصل المتهم الواحد على حكمين مختلفين في المدينة نفسها أو ربما في الحي الواحد.

ومع تقدم الثورة في العمر بدأت تظهر مجالس وهيئات قضائية تضم بعضها قضاة مختصون في مسعى لتوحيد القضاء من جهة والاتجاه نحو الاختصاص من جهة أخرى، وإن كان يعتمد في معظم مصادره على أحكام الشرعية الإسلامية، كما حدث في غوطة دمشق الشرقية حيث تشكل المجلس القضائي للغوطة الشرقية الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع، وبما يتفق مع كل المذاهب المأخوذ بها.

ولا يمثل المجلس القضائي مرجعية للمحاكم التابعة له على الإطلاق، بل "المرجعية هي الشريعة الإسلامية فقط، وكل قاض حر باجتهاده ما لم يخالف نصا واضحا أو قاعدة".

ويجري تنظيم شؤون الأسرة عبر محكمة الأحوال الشخصية بالتعاون مع السجل المدني الذي يدون الولادات والوفيات والطلاق والزواج، حيث تسجل الولادات في السجل المدني أصولا، وتصدر بيانات عائلية لمن ليس لديه دفتر عائلة، فيما تسجل الولادات على ورقة مرفقة مختومة في حال توفر دفتر عائلة، لكي يترك الدفتر كوثيقة خاصة بالحكومة القادمة، وفيما يتعلق بقضايا الإرث، ترفض محاكم المجلس القضائي في الغوطة الشرقية النظر في أي منها، ما لم تنجز داخل الغوطة، أو بوكالات رسمية من أصحاب العلاقة في الخارج، وفق ما شرحه "أبو يوسف عبد العزيز" الذي يشغل منصب معاون القاضي العام ورئيس محكمة الطعون بالغوطة الشرقية في تصريح سابق.

غياب المرجعية الواضحة

أثار توقيع عدد من القضاة العاملين في مناطق "درع الفرات" شمال حلب مؤخرا (يسيطر عليها الجيش الحر مدعوما من تركيا) على اعتماد وتطبيق القانون السوري بما لا يخالف دستور عام (1950)، موجة اعتراضات وانتقادات في صفوف العاملين بسلك القضاء والمحاكم الشرعية خصوصا، وأعاد إلى الواجهة مجددا الخلاف القديم المتجدد حول القانون الذي يجب اعتماده، وخصوصا المفاضلة بين القانون السوري والقانون العربي الموحد.

وأصدرت مجموعة من الهيئات المدنية والعسكرية في مدينة الباب وطلاب كلية الحقوق في "جامعة حلب الحرة" وغيرهم بيانات ترفض اعتماد "القانون السوري"، ومن بين أسباب الرفض اعتبار ذلك بمثابة "إعادة تأهيل وتسويق لحكومة النظام السوري".

وقال قائد "حركة أحرار الشام الإسلامية" سيف الأمين في تصريح إلى "سمارت"، إنهم رفضوا قرار القضاة باستخدام "القانون السوري كونهم غير مخولين بفرض القانون على الناس"، مضيفا أن "هذا القانون لا يتوافق مع مبادئ الثورة السورية والاجماع الوطني والشريعة الإسلامية (..) نحن نرفض القانون وليس دستور سوريا 1950".

وأوضح "الأمين" أن المحاكم في الوقت الحالي تعتمد على اجتهاد القاضي الذي يستعين بالقانون العربي الموحد والقانون السوري إضافة إلى الفقه والشريعة الإسلامية، لافتا أن المجالس المحلية ونقابة المحامين سيوجهون دعوات للقضاة والمحامين لتشكيل لجنة لدراسة اختيار القانون بما يتناسب مع واقع المنطقة.

بدوره أكد رئيس "نقابة المحامين الأحرار" في مدينة الباب سعيد الراغب لـ"سمارت" أنهم ليسوا ضد دستور سوريا 1950 أو "القانون السوري"، لكن "هناك خلاف على بعض المواد في الأخير تتنافى مع الحريات الشخصية وشكلنا لجنة قضائية لإخراج المواد،" لافتا أن القانون لا يتنافى مع "الشريعة الإسلامية" أو الحريات الشخصية.

وسبق أن أعلنت "أحرار الشام" اعتماد "القانون العربي الموحد" في جميع المحاكم التابعة لـ"الهيئة القضائية" التابعة لها، لتوحيد المرجعية القضائية، في جميع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام والخروج من الارتجال القضائي في الأحكام.

ويرى المعترضون على القانون العربي الموحد أنه ليس قانونا جاهزا للتطبيق، وإنما هو مشروع قانون أعدته جامعة الدول العربية بهدف قوننة قواعد الشريعة الإسلامية، لتكون مصدرا يحوي قواعد عامة، بمثابة مرجعية تسن منها القوانين مستقبلا، ولم تجر المصادقة عليه أو تطبيقه في أي دولة عربية.

وكذلك هو عبارة عن أربعة كتب تحوي خمسة بالمائة فقط من كتلة التشريعات الموجودة في القانون السوري، وحتى الجزئية التي شملها القانون العربي الموحد لا تتضارب مع الأخير.

بينما دافع الناطق الرسمي باسم "أحرار الشام" محمد أبوزيد، عبر تغريدات في موقع "تويتر"، عن القانون حيث يرى أنه "يساهم في توحيد المرجعية القضائية، في جميع المناطق المحررة، والخروج من الارتجال القضائي في الأحكام".

وأوضح أن هذا القانون "لم يكن بدعة وإنما ثمرة لعمل دؤوب لعدد من كبار المشتغلين بالشريعة والقانون على مدار 15 عاما، مضيفا أن اعتماد الهيئة القضائية لأحرار الشام له جاء لوضع اللبنة الأولى في مسيرة ضبط القضاء وتنظيمه"، حسب قوله.

تبيان الآراء حول عمل القضاء

استطلعت "سمارت" في وقت سابق آراء عينة من الشارع السوري شمالي البلاد حول عمل المحاكم في مناطقهم، حيث برزت وفق رأيهم الحاجة الملحة إلى تفعيل دور القضاء وهيئاته رغم عدم قدرتها على تطبيق قراراتها على من هو "فوق القانون والمحاسبة".

وكذلك ضرورة وجود مرجعية قضائية واحدة مشكلة من جميع الهيئات القضائية والعسكرية، معتبرين أن تعدد مرجعيات المحاكم تؤدي إلى إعادة محاكمة الشخص نتيجة عدم اعتراف فصيل بحكم محكمة تتبع لفصيل آخر.

ويرى آخرون أن القضاء "ضرورة ملحة" وأن المحاكم المقامة أسهمت "بنوع من رد المظالم لأصحابها وتفعيل اللجوء للقانون السوري"، بينما يتهمها بعضهم بأنها غير جديرة بالثقة  نتيجة "تحكم الفصائل بها ولفسادها وضعفها نتيجة "فسادها وضعفها".

الاخبار المتعلقة

اعداد محمد عماد | تحرير محمد عماد 🕔 تم النشر بتاريخ : 12 فبراير، 2018 11:16:02 م تقرير موضوعي سياسياجتماعي قضاء
التقرير السابق
العمل الطبي وتطوره في ظل الثورة السورية (2-2)
التقرير التالي
انتشار الكلاب الضالة والمسعورة في درعا وتقاعس من الإدارة المحلية لمكافحة خطرها