طرق "التهريب" إلى تركيا .... رحلة موت بحثا عن حياة أفضل

اعداد أمنة رياض | تحرير أمنة رياض 🕔 تم النشر بتاريخ : 16 فبراير، 2018 11:47:19 م تقرير موضوعي اجتماعيإغاثي وإنساني لاجئون

سمارت ــ تركيا 

تستمر محاولات الدخول من الأراضي السورية إلى التركية عبر طرق "التهريب" رغم المخاطر المحفوفة بها، واحتمالية الموت أثناء محاولة الوصول إلى حياة أفضل هربا من  جحيم القصف والفقر، أو للقاء أحبة احتجزوا وراء الحدود، وبات الكثير يصفون الأمر بعملية "انتحار" وتمنى آخرون الموت مرات عدة مع كل محاولة باءت بالفشل.

"إيمان" (اسم مستعار) واحدة من الآلاف الذين حاولوا الوصول مؤخرا إلى تركيا سالكة طرق "التهريب" من محافظة إدلب شمالي سوريا، تحدثنا عن رحلتها ومحاولاتها الثلاث التي باءت بالفشل، وعن كمية البؤس والأمنيات بالموت التي تملكتها وحجم المعاناة التي عاشتها؛ إذ تنحدر من مدينة غربي العاصمة السورية دمشق، وتبلغ من العمر 20 عاما، وبدأت رحلة معاناتها عندما تركت عائلتها وانطلقت من دمشق نحو إدلب برفقة امرأة مقربة من أسرتها، أملا بدخول تركيا لملاقاة خطيبها الذي مر على ارتباطهما سنة وثلاثة أشهر دون أن ترى وجهه إلى من خلال الصور ومكالمات "الفيديو" على وسائل التواصل الاجتماعي.

بدأت "إيمان" قولها أثناء حديث لـ"سمارت" بجملة، "لا أنصح أحد بتكرار محاولتي، المشاعر التي عشتها كانت أبشع من الموت الذي تمنيته مرات عدة ولم أجده"، وتابعت أنه وبعد وصلوها  إلى إدلب اتجهت إلى بلدة دركوش غربي المحافظة والقريبة من الحدود التركية، وبدأت الصعوبات تواجهها من تلك اللحظة، حيث منعتها في البداية "هيئة تحرير الشام" من دخول البلدة لعدم وجود "محرم" ( قريب شاب من الدرجة الأولى)، ولشكها بأنها هربت من عائلتها، لتسمح لها لاحقا بدخول البلدة بعد تحقيقات أجرتها حولها.


وحول تفاصيل الرحلة أضافت "إيمان" قائلة، إنها انتظرت مع مجموعة من النساء والأطفال والشباب إلى أن حل الظلام وبدأوا السير  على الأقدام برققة "مهرب" عبر طريق مليء بالأشجار، انتهى بتلال ليست بمرتفعة كثيرا وفي هذه المنطقة أصبحوا مكشوفين على الجدار العازل بين الدولتين، وبات أمر التوقف مستحيلا، " كان البرد يتغلل إلى جسدي، وعند صعودنا لإحدى التلال سمعنا صوت دبابة وبدأ الرصاص ينهال إلى المنطقة التي نتواجد بها، اختبأنا تحت شجرة دون إصدار أي صوت، وبعد توقف الرصاص أكملنا طريقنا نحو وادي وكان الطريق موحل، كنا شبان وشابات ونساء وأطفال ورجال طاعنين في السن من استطاع النزول للوادي كان من أصحاب الحظ، ومن لم يستطع أكمل طريقه متدحرجا".

وتابعت: "تابعنا السير نحو جبل يضم طريق ضيق المساحة جدا، هنا الجميع يخاف على حياته، الطريق مطل على وادي ويجب أن نعبره بسرعة، فالكثير من الناس كادوا يفقدون حياتهم هناك، وعند انتهاء الطريق الضيق تابعنا المسير وأخذت معنا المسافة سيرا ثلاث ساعات دون توقف خوفا من رؤية الجندرمة التركية لنا، وعند وصلنا للجدار عبرت مجموعة وكانت مجموعتنا تحاول العبور وهنا رآنا حرس الحدود التركي وبدأ بإطلاق النار في الهواء وألقى القبض علينا، وضرب أحد الشبان معنا ظنا منه أنه المهرب وبعدها حققوا معنا، وكان معنا شاب يتكلم التركية ساعدنا كثيرا، وأركبونا داخل حافلات ونقلونا إلى بوابة المعبر والتقطوا صورا لنا وأعادونا إلى سوريا". 

وأعادت "إيمان" برفقة المجموعة التي كانت معها المحاولة الأولى التي استغرقت نحو 12 ساعة، ولكن بعد منتصف الليل ظنا من "المهربين" أن "الجندرمة" التركية لن تلحظ الأمر، وساروا الطريق نفسه وعند وصولهم قرب الجدار انتظروا فترة نصف ساعة، وهنا عبرت مجموعة أخرى وعندما حاولوا اللحاق بها سمعوا أصوات الرصاص ورأوا أطفالا ونساءا يركضون ويبكون وأصواتهم تملئ المكان والذعر يحيط بهم، فأدركوا أن بعض أفراد المجموعة ألقي القبض عليهم، وبقوا ينتظرون حتى يهدأ إطلاق الرصاص الذي تخلله صوت الحرس التركي يقول "رش سوري، اقتل سوري"، ليعودا خائبين مرة أخرى.

وكررت "إيمان" ومجموعتها المحاولة في اليوم التالي ومن الطريق نفسه، ووصلت إلى الجدار العازل وانتظرت من الخامسة عصرا وحتى الخامسة صباحا وعادت أدراجها لأن الوضع لم يكن يسمح بالعبور.

كانت "إيمان" تقضي بقية اليوم بعد كل محاولة في غرفة استأجرها المهرب لا تحوي أغطية ولا أي وسائل للنوم والتدفئة، ومكتظة بالنساء والأطفال الذين يبكون من المرض والوضع الذي يعيشونه، فبعض الأشخاص ينتظرون في تلك الغرفة الضيقة منذ شهر وربما أكثر.

وبعد تلك المعاناة قررت "إيمان" استبدال المهرب بآخر مستمعة لنصيحة إحدى النساء في إدلب والتي تنحدر من مدينتها، وفعلا حاولت للمرة الرابعة العبور إلى تركيا مصممة على رؤية خطيبها،  وذهبت إلى بلدة دركوش ولكن هذه المرة سلكت طريقا آخر عند حلول الظلام مليء بالوحل وينتهي بجبل مرتفع جدا شبهته بـ"الحائط" ، واستطاعت تسلقه ووصلت نهايته بعد ثلاث ساعات، لتصل لقرب الجدار، وحينها وضع المهرب سلما للصعود، "بدأ الناس بالصعود والقفز، كان معنا امرأة حامل في شهرها التاسع بدأت علامات الولادة بالظهور عليها ورجل كسرت قدمه".

وأكملت المجموعة طريقها في جبال تركيا وعند وصولهم لنقطة الاتفاق مع المهرب التركي رفض الحضور وطلب منهم الذهاب إلى أرض تبعد نصف ساعة سيرا على الأقدام عن المكان المتفق عليه، وفعلا جاءت سيارة وحملتهم إلى داخل تركيا من المكان الجديد، لتنتهي رحلة العذاب وتبدأ رحلة جديدة مع "إيمان"، التي لم تنسى ذكر  المخاوف من "قطاعين" الطرق في الأراضي التركية عند الحدود الذين يضربون الناس ويسرقون أموالهم وأمتعتهم.

ليست "إيمان" الوحيدة التي حاولت الدخول مرات عدة، فالآلاف يحاولون ذلك يوميا ويدفعون مبالغ طائلة للمهربين، رحلة "إيمان" من دمشق لتركيا كلفتها 700 دولار أمريكي.

أما "محمد غيث" ابن مدينة سراقب (16 كم شرق مدينة إدلب) الذي أخفق في الدخول لتركيا ولم يكرر المحاولة بسبب الظروف الصعبة التي مر بها، كان الاتفاق بينه وبين المهرب على 550 دولار أمريكي مقابل دخول الأراضي التركية وصولا لمدينة اسطنبول.

وصف "محمد" الطريق الذي سلكه بـ"طريق الانتحار" ولم تكن رحلته أقل خطورة من رحلة "إيمان" ولكنها كانت أقصر، واختلف سبب محاولة الدخول لتركيا، حيث كان "محمد" خائف على حياته نتيجة حملة القصف الشرسة التي تتعرض محافظة إدلب لها، وتقدم قوات النظام السوري جنوبي المحافظة.

وتوجه "محمد" مع مجموعة من رفاقه إلى قرية "الغزالية" وانتظر أربعة أيام هناك، وبعد ذلك عبر نهر العاصي مع مجموعة من الشبان من خلال قارب معدني صغير ليسير بعدها لساعات، ويطلب منهم "الدليل" ( شخص يرشد على الطريق يكون على اتفاق مع المهرب) أن يجلسوا تحت شجرة دون أي صوت ويترك المكان ويغادره، "لنجد أنفسنا وقعنا ضحية فخ نصبه لنا الدليل حيث جاء حرس الحدود التركي وألقى القبض علينا واحتجزنا في نقطة حراسة في العراء والبرد الشديد، ومن ثم نقلونا إلى مفخر وبعد التحقيق معنا والتقاط الصور، وضعونا في خيمة لا تحوي أسرة أو أغطية وكان العدد كبير والبرد يتغلغل في عظامنا، وانتظرنا لساعات والخوف ينتابنا، لينقلونا لاحقا بسيارات ويعيدونا إلى الأراضي السورية".

ولقي العشرات حتفهم برصاص حرس الحدود التركي، منذ أن أغلقت تركيا حدودها الجوية والبرية في وجه السوريين، بداية العام 2016، في حين ازداد الأمر سوءا في الأشهر الأخيرة، حيث عززت تركيا تواجدها على الحدود وبنت جدارا عازلا ونشرت كاميرات مراقبة ونقاط حراسة بشكل كبير لمنع دخول السوريين.

الاخبار المتعلقة

اعداد أمنة رياض | تحرير أمنة رياض 🕔 تم النشر بتاريخ : 16 فبراير، 2018 11:47:19 م تقرير موضوعي اجتماعيإغاثي وإنساني لاجئون
التقرير السابق
تحديات المنظمات الحقوقية السورية في التوثيق لقضية المعتقلين
التقرير التالي
باسل خرطبيل يحقق بعض طموحاته بعد إعدامه