الفن السوري في المغترب

اعداد رائد برهان | تحرير رائد برهان 🕔 تم النشر بتاريخ : 28 فبراير، 2018 10:15:22 م تقرير موضوعي فن وثقافة ثقافة
Report News From SMART-NEWS

لم تمنع ظروف الاغتراب الكثير من الفنانين والمثقفين السوريين من النجاح والإبداع بل كانت في كثير من الأحيان دافعا لهم لتقديم أفضل ما لديهم والتطور للوصول إلى درجات عليا في مجالاتهم داخل البلدان التي احتضنت غربتهم، بعد أن اندمجوا في نسيجها الاجتماعي والثقافي والفني ليسوا بعيدين في فكرهم وقلوبهم عن بلدهم الأم التي قدموا لها ما استطاعوا من وراء البحار، رغم كل الصعوبات التي واجهتهم.

الاغتراب .. حافز أم عقبة؟

تحدث المخرج والممثل السوري "غطفان غنوم"  الذي يعيش في فنلندا إلى "سمارت" عن كيفية تأثير ظروف الاغتراب على أدائه وفنه قائلا: "أرى الأمر أشبه بالتيارات، بارد وساخن، تنتابني حالات من اليأس والحنين المضني ثم اتغلب عليها، ولذلك فالمغترب بالنسبة لي لا يمتلك طابع الاستقرار وهذا ما أحبه فيه (..) أحب أن أكون مضطربا، هذه حالة منعشة بالنسبة لي، لكنها صعبة في نفس الوقت".

ورأى "غنوم" الذي أخرج عددا من الأعمال التمثيلية كان أبرزها "قمر في السكايب" الحائز على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان هوليوود العالمي عام 2016،  أن من أبرز العوائق التي تواجه أعمال الفنانين السوريين في بلاد الاغتراب هي طبيعة هذه البلدان واللغات التي تستخدمها باعتبارها وسيلة للتعبير ولفهم الحياة العامة، معتبرا أن هناك ضرورة لتعزيز ثقافة العمل الجماعي بين الأفراد والجماعات في الجاليات السورية ضمن مختلف البلدان.

بدوره قال الرسام الكاريكاتوري السوري سعد حاجو إنه يرى في الاغتراب "دافعا وعقبة بآن واحد ومن هذه الجدلية تظهر القدرة وخصوبة الخيال لتقديم أشكال من الفنون غير معهودة تبرز ما قبلها و تفتح لنا طرقاً لم نسلكها من قبل وأبواباً لم نطرقها بنفس الشدة في السابق".

نجاحات عالمية لفنانين مغتربين:

المهاجر العظيم:

حاز الموسيقي السوري مالك جندلي عام 2015 على لقب "المهاجر العظيم" من مؤسسة "كارنيغي" في الولايات المتحدة الأمريكية تكريما لإنجازاته الفنية والثقافية التي قدمها للمجتمع الأمريكي، بعد أن أصبح من أشهر الموسيقيين وعازفي البيانو في هذا البلد والعالم.

ولد "جندلي" في ألمانيا عام 1972 لعائلة فنية تعود جذورها لمدينة حمص ويقيم في الولايات المتحدة منذ عشرات السنين. حصل على شهادة بكالوريوس بالموسيقى من جامعة كوينز الأميركية بدرجة الشرف، قبل إتمامه لشهادة الماجستير بإدارة الأعمال من جامعة كارولينا الشمالية. بدأت حياته الفنية الناجحة بعد نيله الجائزة الأولى في مسابقة الموسيقيين الشباب لعام 1988،  ثم حصل على جائزة أفضل عازف من جامعة كوينز الأمريكية عام 1997. في عام 2011 حصل على جائزة "حرية التعبير" في مدينة لوس أنجليس الأمريكية لأغنيته "وطني أنا" الشهيرة التي لحنها مطلع الثورة السورية، تلا ذلك بسنة حصوله على جائزة الإبداع الثقافي في مدينة نيويورك.

ولعل من أبرز ما قدمه "جندلي" لبلده سوريا توزيع  أقدم تدوين موسيقي في العالم اكتشف في مدينة أوغاريت (قرب مدينة اللاذقية) على لوحات مسمارية، تم تسجيله برفقة الأوركسترا الفيلهارمونية الروسية ضمن ألبومه "أصداء من أوغاريت" الذي صدر عام 2008، إضافة إلى إطلاق ألبوم موسيقي بعنوان "أميسا" (اسم قديم لمدينة حمص) عام 2012 تعبيرا عن معاناة الشعب السوري خلال فترة الثورة.

ريشته سلاح ضد الديكتاتوريات:

لم تكن الريشة بالنسبة للكاريكاتور السوري سعد حاجو مجرد أداة للرسم بل سلاحا يواجه فيه الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي وخاصة في سوريا التي نشأ فيها وأصبحت العودة إليها لاحقا حلما يراوده دائما بعد سنوات من الغربة في السويد.

ولد "حاجو" في مدينة دمشق عام 1968 ودرس التصوير الزيتي في كلية الفنون الجميلة في جامعة دمشق. احترف بعدها الرسم الكاريكاتوري ونشر أعماله في جريدتي  "السفير" و"النهار" اللبنانيتين في التسعينيات من القرن الماضي ليصبح بعد سنوات رئيسا لقسم الكاريكاتور في موقع 24 الإخباري، كما نشر رسوماته في عدد من المواقع السورية المعارضة للنظام خلال فترة الثورة.

توجهت معظم أعمال "حاجو" إلى انتقاد الأنظمة العربية وتصوير معاناة  الشعوب خاصة السوري، وحاز على أرفع جائزة للفن الساخر في السويد "إيفيكو" عام 2015 عن مجمل أعماله التي تنتقد الاستبداد وتدافع عن الحرية والعدالة والمواطنة، كما حاز على جائزة "غابروفو للكرتون" تصنيف الدعابة والفن في بلغاريا.

أقام وشارك في عدة معارض للرسم في عدة مدن حول العالم من بينها مدينة اسطنبول التركية التي أقام فيها معرضا تحت اسم " رئيس بلا سبب قلة الأدب" عام 2015 أظهر خلاله تمسك رئيس النظام بشار الأسد بالسلطة رغم خسارته السيطرة على معظم البلاد.

الروائي العالمي:

ولد الروائي السوري رفيق شامي في مدينة دمشق عام 1946 وسافر إلى ألمانيا عام 1971 ونال هناك شهادة الدكتوراه في الكيمياء العضوية التي عمل فيها لفترة قصيرة قبل أن يتفرغ لأعماله الروائية.

يعتبر "شامي" من أشهر الروائيين السوريين في العصر الحديث على مستوى ألمانيا والعالم. ألف العديد من الروايات والقطع الأدبية التي ترجمت إلى أكثر من 28 لغة وتمحورت الكثير منها حول دمشق وسوريا، من بينها "أساطير معلولا" و"في القلب دمشق" و"الحنين يسافر بدون بطاقة سفر" و"صوفيا"، إضافة إلى عدد من الأعمال  المخصصة للأطفال مثل "حنين السنونو" و"فاطمة وسارق الأحلام".

 حاز على الكثير من الجوائز والألقاب في ألمانيا وهولندا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية والنمسا وغيرها من الدول، من بينها جائزة "هيرمان هيسه" الألمانية عام 1994 و الجائزة العالمية لفن القصة عام 1997 في أمريكا وجائزة فايلهايم الأدبية الألمانية عام 2003 وجائزة جيورج جلازر الأدبية عام 2011.

اتخذ "شامي" موقفا مساندا للثورة السورية من بدايتها وانتقد النظام السوري في طريقة تعامله معها قائلا": النظام بمخابراته الدموية هو المسؤول أولا وأخيرا عن ما يحصل في سوريا".

الفن في خضم الثورة:

غيرت الثورة السورية منذ اندلاعها حياة ملايين السوريين من بينهم الكثير من الفنانين والمثقفين الذين اضطروا لمغادرة بلادهم إما لمواقفهم المعارضة للنظام والتي وضعت حياتهم تحت الخطر أو في بعض الأحيان  بحثا عن فرص عمل أفضل مما هو متاح لهم في سوريا، علاوة على انعكاسات ظروفها وتداعياتها على أسلوب وطبيعة أعمالهم الفنية والشخصية.

يقول غطفان غنوم تعليقا على تأثير الثورة السورية في الفن: "الواقع السوري المرير أفرز الكثير من المواهب الجديدة بمختلف الفنون، كما أنه وبدون شك أثر على آليات العمل الفني تقنيا وإنتاجيا، فبرزت تجارب نجحت في الوصول للعالمية بجدارة (..) وهذا شكل نقلة كبيرة على صعيد فهم الدور العظيم الذي يضطلع به الفن كوسيلة للتعبير عن الواقع الثوري بمفهومه الطليعي والأخلاقي النبيل".

أما سعد حاجو فقال إن الثورة السورية "أعطته طاقة إيجابية هائلة دفعته إلى العمل بشكل مضاعف وأكثر مواكبة يومية" مضيفا أنها "غيرت تقاليد الكاريكاتور السوري فاتجه إلى عدم المواربة، وتجددت دماؤه عبر إدخال رموز ولدت من رحم الثورة والشارع وارتفعت مستويات السخرية و النقد إلى أعلى مستوياتها".

الطابع السياسي والإنساني الذي غلب على الأحداث في سوريا بعد اندلاع الثورة خلق للفنانين السوريين المغتربين مجالات عمل مغايرة لما اعتادوا عليه سابقا، فخاض بعضهم غمار العمل السياسي مثل الممثل جمال سليمان الذي أصبح من أبرز السياسيين المعارضين للنظام، والعضو في ما يسمى "منصة القاهرة" التي يرأسها فراس الخالدي، ويشغل حاليا نائب رئيس هيئة التفاوض العليا المنبثقة عن مؤتمر "الرياض 2" والتي تفاوض النظام في إطار محادثات "جنيف"، لكن ذلك لم يمنعه من أداء عدد من الأدوار التمثيلية خاصة في مصر مثل "نقطة ضعف المستقبل" ""ليلة البيبي دول" و"سيدنا سيد.

كذلك الحال بالنسبة للممثلة يارا صبري المقيمة في الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات، والتي كرست الكثير من جهودها لقضية المعتقلين السوريين لدى قوات النظام وعلمت على البحث والاستقصاء عن مصيرهم وتوثيق أسمائهم من خلال حملات أطلقتها على مواقع التواصل الاجتماعي مثل "باص الحرية" و"بدنا ياهن بدنا الكل". انقطعت "صبري" عن التمثيل في الفترة بين عامي 2011 و2015 قبل أن تشارك في مسلسل "وجوه وأماكن" ثم مسلسلي "سمرقند" و"أوركيديا" في السنوات الثلاث الماضية.

كما تعرض الرسام الكاريكاتوري الشهير علي فرزات للضرب المبرح في مدينة دمشق من قبل عناصر ملثمين يرجح أنهم تابعين للنظام في آب من عام 2011 بسبب مواقفه المعارضة للنظام ليغادر البلاد ويتابع مسيرة أعماله الفنية الناجحة التي كرس معظمها لانتقاد النظام وحلفائه والتضامن مع المدنيين الذين يعانون داخل سوريا، وانتقل بلوحاته الساخرة من المحلية إلى العالمية من خلال نشر رسوماته في العديد من الصحف  والمواقع العالمية.

ولم تنحصر التجربة المناهضة للنظام في الوسط الفني في هذه الشخصيات فحسب، فقد شهدت سنوات الثورة  المنصرمة حراكا ملحوظا من قبل فنانين سوريين تعرض الكثير منهم للأذى والاعتقال  بسبب مواقفهم كما حصل مع زكي كورديللو ومي سكاف وفارس الحلو و ليلى عوض و المطربة أصالة نصري على سبيل المثال لا الحصر.

الاخبار المتعلقة

اعداد رائد برهان | تحرير رائد برهان 🕔 تم النشر بتاريخ : 28 فبراير، 2018 10:15:22 م تقرير موضوعي فن وثقافة ثقافة
التقرير السابق
المخترع الإنسان.. عدنان وحود
التقرير التالي
المرأة في ظل الثورة السورية بمحافظة درعا.. تميّز وإرادة تكسر التحديات