حرية التعبير السورية منذ استقلال الدولة وحتى هيمنة "الأسد" والإسلاميين عليها (الجزء 2/2)

تحرير محمد علاء🕔تم النشر بتاريخ : 16 آذار، 2018 16:10:31 تقرير تحليليدوليسياسياجتماعيفن وثقافةسياسة

حرية التعبير بعد الاستقلال وصراع الإيديولوجيات على الاستبداد..

يرى السياسي السوري المستقل والمفكر الليبرالي الدكتور وليد البني في حديث مع "سمارت" أن شكل الدولة تطور في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي برعاية غربية فرنسية، ما أنتجت دولة برلمانية في سوريا كانت حرية التعبير فيها جزء أساسي من أساس الدولة التي قامت في تلك المرحلة.

وأضاف "البني" أن الحياة السياسية والتعددية سمحت بحرية تعبير على الصعيدين السياسي والثقافي وحتى للفنون وكان في كل حارة وقرية يوجد الشيوعي إلى جانب المتدين داخلين بمنافسة سياسية تأخذ شكلها الصحي "كما هو في الغرب".

ولكن بعد قيام "دولة إسرائيل" والتركيز على الهم القومي والحرب الباردة والصراع الذي كانت فيه سوريا بعين العاصفة، أدى لنشوء التيارات القومية والدينية كتيارات أقوى واعتبرت التيارات الليبرالية الديمقراطية هي تيارات صديقة للغرب الذي أسهم بقيام إسرائيل.

ولفت أنه بعد إسقاط الملكية في مصر وقدوم جمال عبد الناصر للحكم وتخلصه من بقايا الليبراليين في حركة الضباط الأحرار (الرئيس الأول لجمهورية مصر محمد نجيب) بدأ إرساء نوع من الدكتاتوريات العسكرية التي أظهرت للسوريين بأن حماية سوريا هي بوحدتها مع مصر و"المستبد العادل" و"القائد المخلص" وأن الديمقراطية وحرية التعبير قد تكون "رفاهية لاتناسب السوريين في ذلك الوقت".

واستطاع "عبد الناصر" إخراج السوريين باستقباله ووأدوا ديمقراطيتهم وليبراليتهم وبرلمانهم بأنفسهم وقاموا بتسليم سوريا لحاكم عسكري لايحترم فكرة التعددية والديمقراطية، إذ كان شرطه الأساسي للوحدة هي إلغاء البرلمان والأحزاب والقبول به كـ"حاكم بأمره".

واعتبر وليد البني أن هذه الضربة الأولى التي تعرضت لها حرية التعبير والديمقراطية بسوريا ولكن "بوجهها العلماني أوغير المتدين"، حيث كان هناك مشكلة بين "عبد الناصر" والحركات الإسلامية المتمثلة بجماعة الأخوان المسلمين التي أرادت مصادرة الديكتاتورية ولم يقوموا ضده احتجاجا على غياب الديمقراطية "إذ يعتقدون أنهم هم المستبد العادل أكثر من غير المتدين".

وأضاف "البني" أن الفكر الأخواني نفسه في كل البلدان، إذ يطالب مؤسسها عام 1928  حسن البنا بعودة الخلافة، فهي أسهمت بالقضاء على الحركة الوطنية الديمقراطية السورية إلى جانب الفكر القومي المتمثلة بحزب البعث والأديولوجيا الماركسية بينما وصمت الليبرالية بأنها "رجعية عفنة".

وجرى تقاسم الشباب السوري بين هذه التيارات الاستبدادية حيث قبلها الحكم السائد وقتها كون القائمين عليه ديمقراطيين ولكن الإيديولوجيات الثلاث كانوا  بانتظار الانقضاض على الديمقراطية وفرض استبدادهم.

حرية التعبير بعد الثمانينات ليست كما قبلها لدى حافظ الأسد..

قسم "البني" عهد حافظ الأسد إلى مرحلتين الأولى منذ 1970 وحتى 1980، حيث كان هناك نوع من حرية التعبير ويمكن أن يقول الشخص رأيه دون أن يغيب، رغم القمع السياسي الكامل.

ولكن المعضلة الأساسية أتت عندما اعتقد بعد عام 1976 أنهم قادرون باستغلال فكرة الطائفية لـ"الانقضاض" على نظام حافظ الأسد والانتقال لحكم سوريا وتأسيس دولة دينية فالمشكلة بين طرفين "أحدهما أكثر استبداد من الآخر ولم يكن صراع من أجل الديمقراطية".

وهذا أعطى الفرصة لحافظ الأسد المعروف بأنه "ديكتاتور براغماتي ومستغل كبير للفرص ولا يعرف الرحمة أو الشفقة في تعامله بمسألة السلطة"، بحسب "البني"، لاستغلال هذه الفرصة بالصراع مع الإخوان ليظهر التناقض بينه كديكتاتور علماني يبقي على الحريات الإجتماعي وبين الفكر الأخواني الذي يريد ضرب الحريات السياسية والإجتماعية معا، وبنفس الطريقة ضرب الشيوعين والناصرين والديمقراطيين ليصل إلى إلغاء كل بقايا موروث حرية التعبير من دولة ما بعد الإستقلال.

وأما مرحلة بعد عام 1980 حوّل حافظ الأسد سوريا إلى "جمهورية الرعب والخوف" حيث أخفى الكثيرين وارتكب مجازر تدمر وحماة وأصبح كافي أن تقول كلمة واحدة حتى تغيب أو تقتل ولا يجرأ أهلك بالسؤال عنك، "ولم يبقى شيء من حرية التعبير".

استغلال حرية التعبير لتوريث بشار الأسد السلطة..

اعتبر السياسي وليد البني أن التوريث مر بـ"عملية خداع كبرى"، حيث روج لبشار الأسد في فترة الغيبوبات بآخر أيام حياة حافظ الأسد بأنه سيعيد قدر من حرية التعبير والديمقراطية وكل ذلك كان عبارة عن خديعة للتمهيد لديكتوتارية الوريث.

الكثير من الليبراليين والمفكرين خدعوا بأن بشار ممكن أن يكون "الجسر" بين "جمهورية الرعب" والانتقال نحو الديمقراطية بشكل تدريجي دون أن نمر بما يحصل حاليا.

الأمل بالثورة السورية وهيمنة الاستبداد الإسلامي عليها..

قال "البني" إنه كان هناك أمل كبير بأن تكون قدرة السوريين بالتعبير عن ذواتهم أكبر استمر ذلك بالأشهر الأولى من الثورة السورية قبل أن يهيمن عليها "استبداد أشد قسوة" هو الاستبداد الإسلامي.

ومهدت أسباب عدة هذه الهيمنة منها أن الأخوان المسلمين كانوا هم التنظيم الوحيد "المنظم" في صفوف الثورة وتوفر لهم المال السياسي الكافي وترك العالم الحر الثورة لتقع بيد دول تعتبر الديمقراطية أشد عداء لنظامها من بشار الأسد فالسعودية وقطر والإمارات والنظام المصري بعد الانقلاب ليس لها مصلحة بقيام ديمقراطيات مستقرة بالمنطقة لأن ذلك يعني القضاء على أنظمتها.

واعتبر "البني" أن حرية التعبير لا تزال قائمة بالدول التي هاجر إليها السوريين، إلا أنها مفقودة حاليا في الداخل السوري بالمناطق التي خضعت لهيمنة النظام أو تنظيم "الدولة" أو "جبهة النصرة" (هيئة تحرير الشام حاليا) أو حركة "أحرار الشام الإسلامية" أو "جيش الإسلام"، إذ أن "لكل إستبداد حريته حاليا"، ولكن لم تنشأ مناطق فيها حرية تعبير ليستطيع المواطن قول ما يعتقد على الأقل.

الأمل موجود ولكن..

لفت "البني" أن هناك "فوائد للكوارث" فالدمار الحاصل في سوريا والثلاثة ملايين طفل دون مدارس واللجوء والخيام أسهمت في انهيار الفكر الإسلامي وانكشاف خديعة الفكر القومي والممانعة والمقاومة.

وسقوط هذين الفكرين فرصة كبرى للشباب السوري الذي يريد فعلا دولة سورية قائمة على التعددية وحرية التعبير والديمقراطية لا تضطهد أحد وذات دستور حيادي تتيح حرية التدين والاعتقاد والإعلان عما نعتقد وحرية الاختيار بين أفكار ومشاريع متعددة لسوريا المستقبل.

واعتبر "البني" أن الشباب السوريين بدؤوا يتراجعون عن الدولة الدينية كحل في مقاومة الدولة الطائفية التي حاول بشار الأسد فرضها من خلال الاستعانة بالإيرانيين والميليشيات الطائفية التي أتى بها، إن انهيار هذه المنظومات فرصة لنشاط الليبراليين لإيصال أفكارهم إلى هؤلاء الشباب.

وتبقى "حرية التعبير" في مهب الريح طالما يوجد عشرات آلاف المغيبين في سجون النظام و"هيئة تحرير الشام" تواظب على اعتقال من يخالفها من الناشطين وعناصرها لا يتحملون رؤية علم الثورة السورية يرفرف على مدخل أحد مدن إدلب، ومؤسسة مركز توثيق الانتهاكات رزان زيتونة مجهولة المصير منذ اختفائها ورفاقها سميرة الخليل ووائل حمادي وناظم حمادي شهر كانون الأول عام 2013م من مناطق سيطرة "جيش الإسلام" بالغوطة الشرقية.

الاخبار المتعلقة

تحرير محمد علاء🕔تم النشر بتاريخ : 16 آذار، 2018 16:10:31 تقرير تحليليدوليسياسياجتماعيفن وثقافةسياسة
التقرير السابق
حرية التعبير السورية منذ استقلال الدولة وحتى هيمنة "الأسد" والإسلاميين عليها (الجزء 2/1)
التقرير التالي
المخططات التنظيمية تحول المنازل إلى أمتار والأحياء الراقية ليست خارج الحسابات