الدعاوى الشخصية إحدى وسائل النظام لاعتقال معارضيه شمال حمص

تحرير عبيدة النبواني 🕔 تم النشر بتاريخ : 10 أكتوبر، 2018 10:04:38 م تقرير موضوعي عسكرياجتماعيإغاثي وإنساني معتقل

هجّرت قوات النظام السوري أهالي ومقاتلي ريف حمص الشمالي وسط سوريا، إلى محافظتي حلب وإدلب شمالي البلاد، بموجب اتفاق تسوية تعهدت فيه روسيا بالحفاظ على حياة الأشخاص الذين يقررون البقاء في المنطقة، ومنع قوات النظام من اعتقالهم، إلا أن الأخير استخدم كافة الذرائع لاعتقال معارضيه.

وفي ظل صعوبة تأمين مصادر في مناطق سيطرة النظام، أو الحصول على وثائق وإحصائيات من داخل أفرعه الأمنية أو محاكمه أو سجونه، فإن معرفة الأعداد الدقيقة للأشخاص الذين اعتقلوا بعد اتفاق التسوية – أو حتى قبلها – شمال حمص، تعتبر أمرا مستحيلا، خاصة مع وجود حملات اعتقال عشوائي وحالات اختفاء قسري بنسب كبيرة.

 

يموت الرجل شمال حمص ويدفع أبناؤه الديّة للقاتل

زياد الرز، والمعروف باسم زياد "البعيو"، هو واحد من أبناء مدينة الرستن الموالين للنظام، كما أنه عمل مُخبرا قبل سيطرة النظام على المدينة، وقام باغتيال قائد لواء "رجال الله" التابع للجيش السوري الحر النقيب أمجد محمد الحميد، في 18 آذار 2012، والذي كان له دور كبير في طرد قوات النظام من المدينة، بحسب ما أفادت مصادر محلية لـ"سمارت"، طلبت عدم كشف أسمائها لأسباب أمنية.

وأضافت المصادر، أنه بعد اغتيال "الحميد" واكتشاف مسؤولية "البعيو" عن ذلك، فجّر إخوة النقيب منزلا لـ "البعيو" في قرية الزعفرانة، كما فجّر شخص آخر يدعى "أبو سرحان طلاس" منزلا له في مدينة الرستن، وبعد نحو ست سنوات، سنحت له الفرصة لينتقم من أهالي الريف الشمالي وليس فقط المسؤولين عن تفجير منزليه.

وقدم "البعيو" ادعاءات شخصية بحق عشرات الأهالي في الريف الشمالي بعد سيطرة النظام على المنطقة، وبما أن معظم الأشخاص الذين لهم علاقة بتفجير منزليه إما قتلى أو مهجرون، فقد ادعى على أشخاص ليس لهم علاقة بالحادثة، وأسفرت هذه الادعاءات عن اعتقال 67 شخصا، مع توجيه تهديدات لنحو 300 آخرين، وفق المصادر. 

وعلى إثر هذه التهديدات، بدأ "البعيو" بابتزاز عشرات العوائل، وطلب مبالغ مالية مقابل عدم اعتقال أبنائهم، حيث أخذ مبلغا يقدر بـ 11 مليون ليرة سورية (نحو 20 ألف دولار أمريكي) من عائلة قائد إحدى الكتائب في "لواء رجال الله" يدعى مصطفى الحبيب، قتل سابقا خلال معارك مع قوات النظام، كما أجبر زوجته على التنازل عن أرض تملكها وتقدر قيمتها بالملايين أيضا، وذلك مقابل عدم اعتقال أفراد من العائلة.

كذلك أجبر "البعيو"، وفق المصادر، زوجة قائد كتيبة في اللواء نفسه يدعى حبيب حبيب، على التنازل عن مخازن ومستودعات يملكونها تساوي ملايين الليرات، كي لا يعتقلها، وكرر التهديدات ذاتها لأهالي معظم مقاتلي لواء "رجال الله" حيث أجبرهم على دفع ملايين أخرى، ورغم قيامه باغتيال قائد اللواء عام 2012، إلا أنه تسبب أيضا باعتقال والده بعد التسوية.

ومع تزايد الابتزازات وارتفاع عدد الدعاوى التي رفعها "البعيو" بحق أهالي مدينة الرستن، بدأت الأهالي يشتكون من سطوته، ليتم اعتقاله من قبل قوات النظام لاحقا بعد تدخل أحد شبيحة المنطقة ويدعى خالد الدالي، وهو من المقربين لقائد "قوات النمر" التابعة للنظام سهيل الحسن.

 

أبناء مقاتل من "الحر" يتهمون زوجة والدهم بالتواصل مع "الإرهابيين"

خرج آلاف المدنيين والمقاتلين من ريف حمص الشمالي باتجاه محافظتي حلب وإدلب بموجب اتفاق التسوية، حيث اصطحب بعضهم عائلاتهم معهم، بينما خرج آخرون بمفردهم.

وقالت مصادر محلية لـ"سمارت"، إن أحد مقاتلي الحر في مدينة الرستن، متزوح من امرأتين، أولاهما مؤيدة للنظام وأحد أبنائها متطوع في صفوف ميليشيا "الدفاع المدني" التابعة للنظام بمدينة حمص، بينما بقيت الزوجة الثانية معه في مدينة الرستن، إلا أنها لم تغادر معه إلى الشمال السوري بعد تهجير الأهالي.

وأضافت: وبعد أسابيع من اتفاق التهجير، عادت الزوجة الأولى مع أبنائها إلى مدينة الرستن، بينما داهمت دورية تابعة للنظام منزل الزوجة الثانية واعتقلتها بتهمة التواصل مع زوجها، ليتبين لاحقا أن سبب اعتقالها هو تقرير كتبه أحد أبناء الزوجة الأولى يتهمها بالتواصل مع "الإرهابيين".

وسجنت الزوجة نحو شهر في مدينة حمص، وخرجت أخيرا بعد دفع رشاوى تبلغ قيمتها نحو مليون ليرة سورية (حوالي 2000 دولار)، للقضاة والمحامين في محاكم النظام.

النظام يستغل الدعاوى الشخصية لاعتقال قضاة المحاكم شمال حمص

تطورت المحاكم في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري طوال السنوات الماضية، وأخذت أشكالا وصلاحيات مختلفة مع اختلاف المنطقة التي تعمل فيها، واختلاف الفصائل المسيطرة عليها، والتي أثرت على مدى قدرة المحكمة أن تبقى مستقلة في أحكامها وقراراتها عن التبعية لفصيل أو آخر.

وكانت المحكمة الشرعية في مدينة تلبيسة واحدة من هذه المحاكم التي تشكلت خلال سنوات الثورة السورية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث غادر معظم القضاة والعاملين في المحكمة إلى الشمال السوري بموجب اتفاق التهجير، إلا أن بعضهم فضلوا البقاء في مدينتهم وإجراء تسويات مع النظام، على أمل أن يلتزم الأخير بالوعود التي قطعتها روسيا خلال المفاوضات.

وقالت مصادر محلية لـ"سمارت" إنه في بداية أيلول الماضي أبلغ عناصر الأمن التابعين للنظام كلا من الشيخ أحمد جمعة والشيخ عبد الرحمن الضحيك، وهما من قضاة المحكمة الشرعية في تلبيسة، بضرورة مراجعة فرع الأمن في مدينة حمص، بسبب وجود دعاوى بحقهم.

وسبق أن حاولت قوات النظام مرات عدة اعتقال الشيخ أحمد جمعة، إلا أنهم لم يستطيعوا توجيه اتهامات لمخالفات ارتكبها بعد التسوية تقضي باعتقاله، كما أن وجهاء المنطقة كانوا يتدخلون لمنعهم من ذلك دون تهمة واضحة، بحسب المصادر.

وحاول النظام استغلال الادعاءات الشخصية التي يمكن توجيهها للقضاة بهدف اعتقالهم، فقام بتكريم زوجة شخص يدعى أيمن حديد، كان قد أعدم بقرار من المحكمة الشرعية في الريف الشمالي لتعامله مع قوات النظام، وإعطاء معلومات تضر بالأهالي، ومنحته رتبة شرف بعد موته، وحصلت زوجته على تعويض قدره مليونا ليرة (حوالي 4 آلاف دولار) من قوات النظام، لتقوم بعدها بالادعاء على "جمعة" ما أدى لاعتقاله.

واستغل النظام وجود أشخاص على خلاف مع المحكمة، ممن أصدرت الأخيرة أحكاما بحقهم، ومنهم شخص يدعى عبد الجواد المصري، حيث سبق أن أصدرت المحكمة الشرعية أمرا بإعدامه لإقامة علاقة مع امرأة تعمل مخبرة للنظام، إلا أن المحكمة أطلقت سراحه بعد دفع مبالغ مالية كبيرة، وفق ما قالت المصادر لـ"سمارت".

وأشارت المصادر، أن "المصري" قدم دعوى بحق كل من الشيخ أحمد جمعة والشيخ عبد الرحمن الضحيك، باعتبارهما كانا من قضاة المحكمة التي أمرت بإعدامه، إلا أن "الضحيك" استطاع الهرب قبل ذلك إلى لبنان، بينما كان "جمعة" قد اعتقل لديهم قبل ذلك.

قصص أخرى لاعتقالات شمال حمص

وقال مصدر محلي لـ"سمارت" إن دورية لـ"الأمن العسكري" داهمت منزل رجل في قرية المكرمية التابعة لمدينة تلبيسة، واعتدت عليه بالضرب خلال تفتيش المنزل بحثا عن أسلحة، على خلفية تقرير أمني من أحد عناصر النظام السوري كرد لمحاولة صاحب المنزل سرقة منزل العنصر مؤخرا.

ولم يسلم عناصر الدفاع المدني من عمليات الاعتقال، إذ اقتحمت دورية لقوات النظام مدعومة بسيارات مزودة برشاشات ثقيلة في 10 أيلول الماضي، منازل 11 عنصرا سابقا من الدفاع المدني ممن أجروا "تسوية" في مدينة الرستن والقرى المجاورة، حيث رجح أهال أن يجبر النظام المعتقلين على الإدلاء بشهادات تتهم الجيش الحر بهجوم كيماوي استهدف محيط مدينة الرستن عام 2015، وفق قولهم.

كذلك استدعت قوات النظام السوري نهاية آب الماضي، الضباط المنشقين عن صفوفها في ريف حمص الشمالي، وطلبتهم للتحقيق في فرع الأمن العسكري "293" بمدينة دمشق، والمعروف بنادي الضباط، حيث توجه سبعة من الضباط لمراجعة الفرع ولم يعودوا، ما آثار مخاوف بقية الضباط والذين قرروا عدم الذهاب، فيما امتنع عشرات العمال بالريف الشمالي عن مغادرة المنطقة خوفا من الاعتقال في ظل انتهاء ورقة "التسوية" التي حصلوا عليها بعد سيطرة النظام على المنطقة.

 

الضمانات الروسية لا تمنع النظام من اعتقال معارضيه

ينص الاتفاق الذي فرضته روسيا وأدى لتهجير آلاف المدنيين الرافضين له، على عدم دخول قوات النظام إلى ريف حمص الشمالي طيلة وجود الشرطة العسكرية الروسية، والتي من المفترض أن تبقى ستة أشهر قابلة للتمديد، كما ينص على تسوية أوضاع الطلاب والموظفين وعودتهم إلى عملهم.

وعلى الرغم من الضمانات الروسية، إلا أن النظام لم يلتزم بمضمون الاتفاق، إذ نصبت قواته عدة حواجز مؤلفة من عناصر مدعمين بدبابات عند مدخلي مدينتي الرستن وتلبيسة وقرى ديرفول والمكرمية والزعفرانة، كما اعتقلت قواته عدة شبان أثناء مراجعتهم  "شعبة التجنيد" في خرق لاتفاق.

وحول ذلك قال عضو الهيئة التي تفاوضت مع الجانب الروسي لتنفيذ الاتفاق محمد كنج أيوب لـ "سمارت"، إن روسيا تعهدت بعدم دخول قوات النظام أو الأمن إلى المنطقة، مؤكدة أن وجود النظام سقتصر على الشرطة المدنية فقط، إلا أن قوات النظام والأمن دخلوا فور خروج مقاتلي الفصائل من الريف الشمالي.

وأضاف "أيوب" أن روسيا أكدت أنه لن يتم اقتياد أي شاب للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية قبل ستة أشهر، إلا أن النظام بدأ باعتقال الشبان واقتيادهم قبل انقضاء هذه المهلة، مضيفا أن النظام وروسيا يكذبان على المدنيين.

كذلك قال عضو الهيئة مصطفى حسين في منشور له إن روسيا تعهدت أن لا تسمح للنظام بشن حملات اعتقال "جماعية"، مضيفا أن النظام التزم بذلك فعلا وأصبح يعتقل الشبان بشكل فردي، إلى أن يعتقل كل من بقي في مدينة الرستن.

 

ريف حمص الشمالي ليس الساحة الأولى التي ينقض فيها النظام اتفاقات التسوية، ولجوء الأخير إلى الادعاءات الشخصية لاعتقال معارضيه ليس الوسيلة الوحيدة التي يتبعها للتخلص منهم، كما أن هذه ليست المرة الأولى التي لا تفي فيها روسيا بضماناتها وتعهداتها، وعلى ما يبدو فإنها قد لا تكون الأخيرة أيضا.

الاخبار المتعلقة

تحرير عبيدة النبواني 🕔 تم النشر بتاريخ : 10 أكتوبر، 2018 10:04:38 م تقرير موضوعي عسكرياجتماعيإغاثي وإنساني معتقل
التقرير السابق
النزوح من عفرين.. ما بين التشرد وابتزاز النظام والمهربين
التقرير التالي
موالون للنظام يتاجرون بمنازل مهجري مدينة حمص ويرفضون إخلائها