تأثير سيطرة "تحرير الشام" على عمل المؤسسات المدنية والخدمية شمالي سوريا

تحرير عبيدة النبواني 🕔 تم النشر بتاريخ : 22 يناير، 2019 3:15:32 م تقرير حي عسكرياجتماعيإغاثي وإنساني هيئة تحرير الشام

سمارت - تركيا

انعكس الاتساع السريع لمناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" شمالي سوريا خلال الأسابيع الفائتة، بشكل مباشر على كافة الجوانب الخدمية والمدنية بسبب محاولات "تحرير الشام" ضم كافة المؤسسات إلى سلطة "حكومة الإنقاذ" التي تعمل تحت سيطرتها، وإحجام معظم المنظمات عن دعم المشاريع والمؤسسات في مناطق حكم "الهيئة".

 

4.7 ملايين شخص مهددون بفقدان الرعاية الصحية

فور بدء المعارك التي أفضت في النهاية إلى سيطرة "هيئة تحرير الشام" على محافظة إدلب ومساحات واسعة من ريفي حلب الغربي وحماة الشمالي، أعلنت بعض المنظمات الداعمة للمراكز الصحية في مناطق تواجد "الهيئة" تعليق عملها، ما أدى لوقف الدعم بشكل أساسي عن مديريات الصحة الحرة في هذه المناطق التي يبلغ عدد قاطنيها قرابة 4.7 ملايين شخص.

ففي الأول من كانون الثاني الجاري علّقت "الوكالة الألمانية للتعاون الفني" (GIZ)، دعمها للمشاريع الصحية ومديريات "الصحة الحرة" في محافظات حماة وإدلب وحلب واللاذقية، حتى إشعار آخر، وذلك في اليوم الأول للمواجهات بين "تحرير الشام" وبعض فصائل الجيش السوري الحر.

وتأسست "الوكالة الألمانية للتعون الفني" (GIZ) مطلع عام 2011 من اندماج ثلاث منظمات للتنمية الدولية الألمانية، إذ تعمل على تحقيق التنمية المستدامة في المناطق التي تدعمها، وكانت تتكفل بدعم منظومات إسعاف ومشاف ومراكز صحية شمالي سوريا، إضافة إلى مشاريع صحية "هامة".

ومع توقف الدعم، أعلنت مديريتا الصحة "الحرة" في محافظتي حماة وإدلب أن العمل فيهما بات تطوعيا بشكل كامل، حيث قال معاون مدير "صحة إدلب" مصطفى العيدو لـ "سمارت"، إن قرار إيقاف الدعم شمل 33 منشأة طبية مدعومة من قبلهم، ما يهدد نحو 80 ألف مدني شهريا بفقدان الخدمات الطبية، عدا عن نحو 630 من الكوادر الطبية مهددون بخسارة وظائفهم.

بدورها قالت مديرية صحة حماة إن 200 ألف مدني ثلثهم من الأطفال، باتوا مهددين بنقص الخدمات الطبية نتيجة قرار تعليق الدعم، في حين ذكر مصدر خاص من "مديرية صحة حلب الحرة" لـ "سمارت" إن توقف الدعم عن 43 منشأة تتبع لها سيؤثر على أكثر من ربع مليون شخص  عدا عن تضرر نحو 450 موظفا يعملون فيها.

في ظل كل ذلك، بدأت بعض الجهات بالعمل على إطلاق حملة مناصرة تهدف للضغط على الدول والمنظمات المانحة لإعادة دعم القطاع الطبي، إذ قال معاون مدير "صحة إدلب" إنهم سيطلقون "حملة مناصرة ضخمة" على المستوى المحلي والدولي، كما قالت "مديرية صحة حلب الحرة" إنهم يوجهون رسائل ومناشدات في محاولة لإلغاء القرار.

بدوره أصدر "فريق منسقو استجابة سوريا" الذي يعمل على توثيق وإحصاء المهجّرين والنازحين واحتياجاتهم، بيانا قال فيه إن تعليق الدعم سيؤدي إلى إيقاف أكثر من 179 مركزا طبيا شمالي سوريا تقدم خدماتها لأكثر من 4.7 مليون شخص، مطالبا الجميع بالتضامن مع الهيئات الطبية، ومحذرا من العواقب الكارثية المترتبة على إيقاف دعم القطاع الطبي.

وعلى الرغم من أن المعارك الأخيرة كانت سببا مباشرا لإيقاف الدعم عن أكبر المنشآت الطبية في المنطقة، إلا أن مناطق سيطرة "الهيئة" كانت دائما فقيرة بالخدمات والمشاريع – وخاصة الطبية – نظرا لإحجام الجهات المانحة عن دعم مشاريع في منطقة تسيطر عليها جهة مصنفة عالميا على قوائم الإرهاب.

 

"تحرير الشام" تحول الشرطة في مناطقها من "حرّة" إلى "إسلامية"

بعد عشرة أيام من بدء المواجهات بين فصائل "الحر" و"هيئة تحرير الشام" أعلنت "الشرطة الحرة" في محافظة إدلب تعليق عملها حتى إشعار آخر، مضيفة أنها ستسلم مقرات ومعدات وأثاث المخافر للمجالس المحلية المتواجدة في تلك المناطق، إضافة إلى تسليم المقرات المستأجرة إلى أصحابها.

وفي أثناء ذلك، كشف مصدر خاص لـ "سمارت"، عن وجود بنود غير معلنة في الاتفاق المبرم بين "الجبهة الوطنية للتحرير" التابعة للحر و"هيئة تحرير الشام"، تتضمن نشر "الشرطة الإسلامية" التابعة للأخيرة مكان "الشرطة الحرة"، حيث استولت "الهيئة" في اليوم ذاته على مخفر "الشرطة الحرة" في قرية الغدفة جنوب إدلب.

وقال قائد "الشرطة الحرة" العميد أديب الشلاف لـ "سمارت"، إن عناصر "تحرير الشام" دخلوا إلى مخافر في ريف حلب الغربي وخيّروا العناصر بين العمل مع "الهيئة" أو منعهم من متابعة العمل، ليعلن بعدها عشرات العناصر تعليق عملهم.

وقال مصدر مسؤول من "الشرطة الحرة" لـ "سمارت"، إن معظم العناصر رفضوا العمل مع "تحرير الشام"، لافتا أنها فرضت على الموافقين اتباع "دورة شرعية لمنهج لا يعرفون مضمونه"، معتبرا أن "الهيئة" تهدف إلى إقصاء كفاءات الضباط وصف الضباط والأفراد، لتعيين مسؤول شرعي من طرفها يستلم أمور المنطقة، وفق قوله.

وفي ظل ذلك، سلّم مركزا "الشرطة الحرة" في بلدتي معرة حرمة وترملا جنوب إدلب، جميع معداتهما للمجلسين المحليين فيهما بعد قرار "شرطة إدلب الحرة" تعليق عملها، فيما أعلنت بعض المراكز متابعة عملها بالتنسيق مع المجالس المحلية، ومنها مركز الشرطة في  مدينة معرة النعمان،  وبلدة كفر تخاريم،  وقرية  كفرومة، بينما أعلن مخفر قرية حزارين أنه سيكمل عمله وسيلتزم بالقرارات الصادرة عن "حكومة الإنقاذ".

ومع توقف "الشرطة الحرة"، وتبعية بعض المخافر للمجالس المحلية، بات من السهل على "تحرير الشام" فرض سيطرتها على هذه المخافر، إذا استطاعت تعيين أعضاء المجالس المحلية، أو إجبارها أن تتبع لـ "حكومة الإنقاذ".

 

المؤسسات المدنية والاجتماعية تقع بين توقف الدعم والتبعية لـ "حكومة الإنقاذ"

علقت بعض منظمات المجتمع المدني الأوروبية المرتبطة بالحكومتين الألمانية والفرنسية أعمالها مؤقتا في مناطق سيطرة "هيئة تحرير الشام" شمالي ووسط سوريا، حيث قال مصدر مطلع لـ "سمارت"، إن هذه المنظمات تعتبر جهات مانحة لمشاريع تتعلق بالحوكمة ودعم الاستقرار وتأهيل المجالس المحلية ومشاريع دعم المرأة.

وأضاف المصدر الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، أن أبرز هذه المنظمات هي منظمة "آركينوفا" (Arche Nova) و "الوكالة الألمانية للتعاون الدولي" (GIZ) والمنظمة الشريكة لها بالداخل السوري "التنمية المحلية" (LDO) المسؤولة عن الدعم المقدم للمجالس المحلية ورواتب العاملين فيها.

في غضون ذلك أبلغت منظمة "بيتنا سوريا" الهيئة النسائية في مدينة الأتارب توقفها عن دعم كافة المشاريع والتدريبات التي كانت تقيمها للنساء، لحين الاطلاع على وضع المنطقة بعد سيطرة "تحرير الشام"، فيما أوقفت منظمة "بيبول إن نيد" رواتب المعلمين في روضة "بسمة أمل" للأطفال، التي تستقبل نحو 300 طفل سنويا منذ تأسيسها قبل ستة أعوام.

وسبق أن تأثرت منظمات أخرى بوجود "تحرير الشام" في المنطقة، حيث أوقفت منظمة "اليوم التالي" كافة نشاطاتها التي كانت تشمل ندوات لتمكين المرأة أو تدريبها ودورات لأعضاء المجالس المحلية وغيرها، وذلك بعد احتجاز أحد أعضائها من قبل "الهيئة"، إذ لم تنفذ المنظمة أي نشاط في المنطقة منذ مطلع العام الجاري.

ومع توقف معظم هذه المؤسسات وتراجع دعمها، بدأت "تحرير الشام" بالعمل على استقطابها بكافة الوسائل، فأرسلت تبليغات قضائية لإداريين سابقين في "الهيئة الثورية" و "المجلس المحلي" لمدينة الأتارب، تطالبهما بالحضور خلال ساعات تحت طائلة المحاسبة، كما طالبت ناشطين وموظفين بمغادرة مدينة دارة عزة غرب حلب، مهددة بقتلهم واعتقالهم.

أما "حكومة الإنقاذ" التي تعمل تحت سلطة "الهيئة" فأعلنت عن تشكيل مجلس محلي جديد في مدينة الأتارب لتسيير الأعمال "بشكل مؤقت ريثما يتم اعتماد هيكلة جديدة حسب قوانينها"، وذلك بعد استقالة المجلس القديم نظرا لوجود جهات تسعى لتشكيل مجلس جديد أو اختراق المجلس الحالي عبر إبقاء بعض أعضائه والاستغناء عن البقية.

وفي موازاة ذلك، قال مجلس محافظة حلب "الحرة"، إنه مستمر في خدمة المحافظة، مؤكدا على أنهم مؤسسة مدنية منتخبة من قبل "الهيئة الثورية" ولا تتبع لأي جهة، كما أعلن المجلس المحلي في مدينة معرة النعمان جنوب إدلب، أنه "مؤسسة مدنية بحتة" ولا يتبع لأي جهة عسكرية، مضيفا أنه يتعهد بالالتزام التام بمذكرات التفاهم، وعدم السماح لأي جهة عسكرية بالتدخل في عمله.

وعلى عكس المجالس السابقة، أعلن المجلس المحلي لقرية أم الخلاخيل جنوب إدلب، أنه بات تابعا لـ "حكومة الإنقاذ"، بعد فرض "تحرير الشام" سيطرتها على كامل محافظة إدلب.

وسبق أن تعرضت المجالس المحلية في المنطقة لضغوطات كي تكون تابعة لـ "حكومة الإنقاذ" حيث بدأت "تحرير الشام" بمحاولة جعل جميع المؤسسات في مناطقها تابعة لـ "الإنقاذ" بعد فرض سيطرتها  على كامل المنطقة عقب معارك مع "الحر".

 

فرضت "هيئة تحرير الشام" سيطرتها العسكرية والإدارية على مساحات واسعة من الشمال السوري، دون وضوح مستقبل المنطقة التي تسيطر عليها، خصوصا من الجانب الإنساني، في ظل توقف دعم المشاريع الطبية، وانحسار دور أجهزة الشرطة، وتناقص أعداد المنظمات المدنية التي باتت تختفي واحدة بعد أخرى.

الاخبار المتعلقة

تحرير عبيدة النبواني 🕔 تم النشر بتاريخ : 22 يناير، 2019 3:15:32 م تقرير حي عسكرياجتماعيإغاثي وإنساني هيئة تحرير الشام
التقرير السابق
اللاجئون السوريون الأكثر تضررا من العاصفة الثلجية التي ضربت لبنان
التقرير التالي
"قانون قيصر" الأمريكي لتضييق الخناق على النظام ودعم المنظمات الحقوقية "معنويا"